المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح سعد Headshot

خريطة الجماعات الجهادية فى ظل الثورة المصرية

تم النشر: تم التحديث:

ولاية سيناء (أنصار بيت المقدس سابقاً) واحدة من أهم جماعات السلفية الجهادية التي تتخذ من شبه جزيرة سيناء ملاذا آمنا لها، وتعد من أشرس الجماعات التي تتبنى العنف في مواجهة النظام الحاكم في مصر الآن. يعرِّفها النظام بأنها تنظيم إرهابي يسعي للتخريب ولا يتعدى كونه أحد معاول هدم الدولة المصرية في حين يعتبره العديد من مناهضي الحكم العسكري في مصر وعلى رأسهم شريحة من الإسلاميين هو (أنصار بيت أمن الدولة) معللين ذلك بعملياته التي لا تخدم إلا الآلة القمعية للنظام ويقتات على إرهابه خارجيا بتصدير نفسه المدافع عن الحق في الحياة ضد عدو الإنسانية (الإرهاب الأسود). في الوقت الذي يعتبر التنظيم نفسه خليفة الله الذي يحكم بشرعه ووفق منهجه على أرضه ضد نِحَل الكفر في الداخل (النظام المصرى) وفي الخارج (إسرائيل).

فرضت الجماعة نفسها على الساحة المصرية عقب أحداث ثورة 25 يناير/كانون الثاني، من خلال تبنيها لسلسلة عمليات تفجير لخطوط الغار بين مصر وإسرائيل، أعقبها عدة هجمات على الجيش الإسرائيلي عام 2012، مرورا بتبنيها عدة هجمات ضد الجيش والشرطة المصرية عقب انقلاب يوليو/تموز 2013 وما تبعه من عمليات للجيش داخل سيناء والشروع في إقامة منطقة عازلة على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة وما تبعه من عمليات تهجير قسري لأهالي رفح والشيخ زويد والقصف العشوائي للمنازل والقتل العمد وتجريف المزارع.

في 8 يوليو 2014 كان الحدث الأبرز في تاريخ الجماعة، فقد أعلنت بيتعها للدولة الإسلامية وأميرها البغدادي فتغير اسمها من (أنصار بيت المقدس) إلي (ولاية سيناء) فنظمت عرضا عسكريا بعشرات عربات الدفع الرباعي وقامت بتوزيع منشورات على الأهالي في الشيخ زويد تفيد ببيعتها للدولة الإسلامية. منذ ذلك اليوم ازدادت هجماتها ضد الأجهزة الأمنية شراسة وتنوعت ما بين مهاجمة الأكمنة وعمليات القنص وزرع العبوات الناسفة واستدراك القوات الأمنية ومباغتتها ونصب الأكمنة المفاجئة على بعض الطرق الحيوية والاستيلاء على شاحنات تموين للجيش واغتيال العديد من القيادات الأمنية.

لنقترب أكثر من التنظيم.. لا بد أن نلقي الضوء على خريطة الجماعات الجهادية في سيناء، فوجود الجماعات الجهادية هناك ليس وليد الثورة ولكنه ظهر بشكل جلي في بداية تسعينيات القرن الماضي في شمال سيناء في المنطقة (ج) وهي المنطقة منزوعة السلاح وفقا لاتفاقية كامب ديفيد الموقعة عام 1979. تنتشر جماعات السلفية الجهادية عامة وولاية سيناء خاصة في رفح مرورا بالشيخ زويد وبعض القري الواقعة في شمال ووسط سيناء.

تتنوع تلك الجماعات ما بين جماعات دعوية وأخري قتالية عنفوية ومجموعات قليلة تكفيرية. تتواجد معظم الجماعات على شكل خلايا صغيرة قليلة العدد يصعب في العادي اندماجها معا، ربما لاحتياطات أمنية لتختفي بعيدا عن أعين أجهزة الاستخبارات المصرية وشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المختصة بجمع معلومات عنها، وبالرغم من ذلك لا تسلم العديد من تلك الجماعات من الاختراقات.

أبرز تلك الجماعات بعد ولاية سيناء.. هي جماعة السلفية الجهادية والتي لا تأخذ شكلا تنظيميا واحدا وإنما عدة تنظيمات أشهرها (التوحيد والجهاد) و(أنصار الجهاد) وأحدثها تنظيما هو (مجلس شوري المجاهدين- أكناف بيت المقدس) تعتنق هذه الجماعة أفكار (تنظيم القاعدة) بينما لا ترتبط به تنظيميا في حين ترتبط بجماعات جهادية بفلسطين وكانت عملياتها تقتصر على العدو الإسرائيلي وتتبرأ من استهداف الجيش المصري وسبق وأن تبنت عملية إطلاق صواريخ على إيلات واستهداف مركبات إسرائيلية.

علما بأن تنظيم (التوحيد والجهاد) داخل تلك الجماعة نفسها يعد أشرسها وأعنفها على الإطلاق وسبق له وأن تبنى تفجيرات طابا وشرم الشيخ الشهيرة وقام بعمليات خطف لجنود مصريين تحت قيادة الجهادي هاني أبو شيتة المحكوم عليه بالإعدام في تفجيرات طابا، وتتخذ تلك الجماعة من جبل الحلال بسيناء مقرا لها وتقدر أعدادها ككل بحوالي 2500 مقاتل تقريبا. تأتي جماعات أخرى صغيرة أقل شهرة ولكنها الأعنف في مواجهة الجيش والشرطة يتصدرها أصحاب الرايات السوداء وبقايا تنظيمات جهادية أخرى وعناصر تعرف بـ(جيش جلجلة) كما توجد أيضا خلايا لجماعة (التكفير والهجرة) و(جيش الإسلام).
قبيل الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير ظهر (أبو أسامة المصري) في إصدار بعنوان (رسائل من أرض سيناء 2) مدته حوالي عشرون دقيقة وجه خلاله العديد من الرسائل المهمة والتي تظهر تطور نهج الجماعة خلال الفترة الأخيرة.

مثلت تلك الرسائل انتقادات شديدة اللهجة لجماعة الإخوان المسلمين لتبنيها السلمية وانتهاجها الديمقراطية وسيلة للوصول للحكم والتي ظهر عوارها للناس، فالله اختار للناس القصاص بينما هذه السلمية لا تقتل إلا أهلها (حسب تعبيره)، فيما أثنى أبو أسامة على (المجاهدين) في القاهرة والجيزة والسويس، ولم ينسَ أن يذكر مستمعيه بهدفه الأسمى الذي يضعه نصب عينيه وهو (تحرير الأقصى). ثم يعود مرةً أخرى منتقداً عدم تعلم الإخوان من أخطاء الماضى وانفصالهم عن الواقع ويحثهم على الكفر بالطاغوت بالقلب واللسان واليد جاعلين شعارهم "إن الحكم إلا لله" وحمل الحديث مدحاً لشباب الإخوان بطريقة غير مباشرة! ثم ينتقل إلى الحديث عن التنظيم مؤكداً أن ولاية سيناء اليوم ليست كالأمس ويرجع الفضل في ذلك لقوة الإيمان (حسب قوله) فهم الآن يفخخون الأرض ويفجرون الآليات في شوارع العريش! وتنتهي كلمته وينتقل الإصدار إلى توثيق بعض عمليات التنظيم كقتل اثنين من أمناء الشرطة في الشارع وضح النهار واستهداف مدرعة للجيش واستعرض الإصدار بعدها كلمة لـ(أبي البراء المصري) يصبِّر فيها والدته قبل أن يفجر نفسه في مركبة للجيش.

الإصدار يعد غاية في الخطورة كونه ليس كإصدارات الولاية المعتادة التي توثق هجمات على أهداف تابعة للجيش والشرطة وإن جاز التعبير فإننا نسميه إصداراً (ناعماً) يحاول التنظيم به أن يصبغ نشاطه بلون الثورة وتحويلها إلى الراديكالية كما فعلت الدولة الإسلامية في العراق فكانت في القلب من الثورة السنية في مقابل القمع الأمني الميليشياتي الطائفي، فاستطاعت أن تبسط نفوذها على الموصل والأنبار والرمادي وأكثر من مصفاةٍ للبترول.

ظهور المتحدث الإعلامي وشرعي ولاية سيناء (أبي أسامة المصري) في هذا الإصدار الذي ابتعد عن الإبداع الفني على مستوى الإخراج والذي تميزت به سالف إصدارات الولاية عقب بيعتها للدولة الإسلامية لم يكن عشوائيًّا فلطالما ظهر الرجل في عدة إصدارات مرئية ومسموعة، مخاطباً التيارات الإسلامية وخاصة الإخوان، ناصحاً تارة ومعتباً تارة مبتعداً عن الخطاب الرائج في أروقة الدولة والذي يعتبر مرسي وقيادات من الإخوان طواغيت، وبالتالي كان اختياره متماهياً مع الحدث قبيل ذكرى الثورة.

حديث أبي أسامة عن السلمية والقصاص ووصفه حكام مصر (دون الرئيس مرسي) بالطواغيت وحثه على استخدام العنف المضاد في مقابل عنف النظام يبرز بلا شك تحول العقيدة القتالية للجماعة من محاربة العدو البعيد (إسرائيل) إلى محاربة العدو القريب (النظام العسكري) عقب الانقلاب العسكري، حيث ازدياد القمع ضد المدنيين وتصفية العديد من السيناويين بدم بارد سواء بقصف منازلهم أو بالتعذيب في المعسكر 101 ومعسكر الزهور وإلقاء جثثهم بالطرقات وتهجير الأحياء وتجريف منازلهم وإقامة المنطقة العازلة على الحدود مع غزة. ساهم هذا التحول في اقتراب الجماعة شيئاً فشيئاً من فكر الدولة الإسلامية إلى أن بايعتها في 8 يوليو/تموز 2014.

ما فعله جنرالات الانقلاب بسيناء مهد الطريق أمام عشرات الشباب من مختلف قبائل سيناء وحتى من دلتا مصر للانضمام لولاية سيناء واعلان البيعة للدولة الإسلامية! فهذا هو إرهاب الدولة (المحتمل) الذي تحدث عنه الجنرال في أعقاب انقلابه. بعد تحول الجماعة إلى ولاية سيناء تطور أداؤها العسكري بشكل ملحوظ فكانت السيارات المفخخة والعبوات شديدة الانفجار والتكتيكات الذكية، تزامن ذلك مع تطور هائل في الآلة الإعلامية الدعائية التي روجت لهذا التحول الخطير في محاكاة لما يحدث في العراق وسوريا. وكانت أبرز عمليات الجماعة هجوم كرم القواديس أواخر 2014 والهجوم على 20 كميناً وهدفا للجيش في نفس التوقيت في رمضان الماضي مروراً بتفجير طائرة الركاب الروسية ومقتل من كانوا على متنها في 31 أكتوبر 2015.

ومؤخراً ومنذ مطلع العام الجديد انتهجت ولاية سيناء سياسة حرب الاستنزاف مع الجيش في العريش بطريقة غير مسبوقة عن طريق زرع المفخخات بالشوارع فلا يمر يوم إلا ويتكبد الجيش خسائر بالعتاد والأرواح ولعل قيادات الجماعة أيقنت أن ما يوجع قيادات الجيش هو الخسارة في العتاد وليس الأرواح فأوجعتهم بهذا السلاح!

حرب الاستنزاف ليست غاية الجماعة وإنما هي في الحقيقة تمهيد لحرب قادمة شرسة بغية السيطرة والتمكين لبسط النفوذ والحكم على مساحة من الأرض (فكر الدولة الإسلامية) والذي يختلف عن الفكر (القاعدي الجهادي) الذي يعتمد على هجمات مباغتة ومن ثم الاختفاء (باطن الأرض خير من ظاهرها)، وكل هذا في باب "لسنا كأمس" على حد وصف أبي أسامة.

الملاحظ في هذا الإصدار هو ثناء أبي أسامة على المجاهدين (حسب تعبيره) في القاهرة والجيزة والسويس. بالطبع هو هنا يقصد رفاق الدرب من جماعة أجناد مصر (ليست مبايعة لأي تنظيم جهادي عالمي حتى وقتنا) والتي تبنت عدة عمليات ضد الجيش والشرطة عقب الانقلاب لدرجة أنها وصلت إلى أبوب قصر الاتحادية قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من تصفية قائدهم همام عطية المعروف بـ(مجدالدين المصري) العائد من العراق وتعيين (عزالدين المصري) خلفاً له في 9 إبريل/نيسان 2015 ما أدى إلى غياب الجماعة عن الساحة.

بالطبع يقصد أيضاً (كتائب الفرقان) وأبرز كتائبها (النصرة) والتي تبنت عمليات أبرزها استهداف شاحنة صينية في مجرى قناة السويس الملاحي بقذيفة (آر بي جي) واستهداف محطة الأقمار الصناعية بالمعادي بقذيفة صاروخية، وترتبط تلك الكتائب مع ولاية سيناء بعلاقات لوجستية وتنظيمية.

وهناك أيضاً (جيش المرابطين) الذي أُعلن عنه في 21 يوليو/تموز 2015 على لسان أبي عمر المهاجر (هشام عشماوي ضابط الصاعقة السابق بالجيش) والذي انشق عن ولاية سيناء عقب بيعتها للدولة الإسلامية وهو العقل المدبر لمحاولة اغتيال محمد إبراهيم وزير الداخلية السابق وبايع عشماوي القاعدة ليصبح (جيش المرابطين) هو الممثل الرسمي للقاعدة بمصر الآن. وظهرت منذ فترة مفارز تابعة للدولة الإسلامية في القاهرة والجيزة تبنت عمليات استهداف ضباط جيش وشرطة وكانت آخر عملياتها تفخيخ شقة الهرم منذ بضعة أيام.

الغريب أن تلك المفارز على صلة مباشرة بالدولة الإسلامية في العراق والشام وتأخذ التوجيهات من القيادة هناك فيختفي ذكر (ولاية سيناء) في بياناتهم ويوقعون باسم (الدولة الإسلامية)!

تعلم الدولة الإسلامية جيداً أن سياسة القمع والعنف والتصفيات بحق مناهضي الانقلاب بالطبع ستدفع عشرات الشباب إلى العنف المضاد غير المنظم كفراً منهم بمبدأ السلمية ورغبة منهم في إشفاء صدورهم، لذلك تريد أن تحتضن هؤلاء الشباب وتستغل الطاقة الهائلة بداخلهم وتصبغة بصبغة عقائدية وتوفر لهم التسليح والتدريب المناسب وتنظم عملياتهم ومن ثم استغلالها لدفع الثورة المصرية نحو راديكالية تنفذ هي من خلالها وتنمو لتصبح مع الوقت أمل المستضعفين هنا كما كانت أملهم في العراق عقب ثورة السنة كما أنها تريد أن تستقطب حركات ثورية تتبنى أعمالا تخريبية ضد أهداف للنظام كـ(المقاومة الشعبية) و(العقاب الثورى).

تدخل الدولة حرباً شرسة ضد مقاتلي ولاية سيناء للقضاء عليهم بعدما فشلت في تكوين (صحوات) تقاتلهم من القبائل في محاكاة لصحوات العراق وذلك لتراجع شعبية الجيش عقب الانقلاب وما تلاه من أعمال عسكرية في سيناء، كما فشل النظام حتى يومنا هذا في اختراقهم أمنيا نتيجة وجود جهاز أمني قوي لدى الجماعة يستخدم سياسة (الصدمة والرعب) ولا يتوانى في قطع رؤوس من يتعامل مع الجيش والشرطة من البدو من قريب أو بعيد أياً كانت قبيلته وموقعها في سيناء.

هذا بالطبع يبرز نجاح ولاية سيناء في فرض أسلوبها على البناء الاجتماعي الذي توارثته أجيال سيناء عبر مئات السنين والذي يعتبر القبيلة كل شيء ليحل هو محلها ولا يتواني في عقاب أي فرد أياً كانت قبيلته إذا خرج عن المحاذير والخطوط التي وضعتها. فولاية سيناء تحمل فكراً لا يعترف بالقبيلة شأنها شأن الدولة القطرية الحديثة بحدودها.

سمة أسباب أخرى تجعل القضاء عليها مستحيلاً خلال الفترة الراهنة لخصها المحلل السياسي الإسرائيلي (أبرز شتريم) في ورقة بحثية بعنوان "من يوقف سيطرة داعش على سيناء"، حيث رأى أن العمل في بيئة معادية، إضافة إلى عدم فاعلية الجيش في خوض حرب مقاومة، وتكليف الجنود بمهام شرطية لم يتدربوا عليها أصلاً، فضلاً عن صعوبة الحصول على معلومات الاستخباراتية، والبيئة الإقليمية التي جعلت السلاح الليبي يصل بسهولة إلى سيناء، كانت أسباباً رئيسية وراء تأخر الحسم ضد التنظيم المتشدد في سيناء".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.