المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح سعد Headshot

عزبة العسكرى و سد النهضة الأثيوبى

تم النشر: تم التحديث:

ما زلنا ندفع ثمن هوى طغمة فاسدة من العسكر لطالما وضعت مصلحتها في كفة ومصلحة الملايين من شعب مصر في كفة أخرى لتختار بكل غباء وحقارة مصلحتها الشخصية وتجعلها مقدمة على مصالح البلاد والعباد. كانت البداية عام 1995عندما تعرض المخلوع مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا لينجو منها بأعجوبة، ليشهد هذا التاريخ بداية تدهور العلاقات ما بين مصر وإفريقيا كلها وليست إثيوبيا فقط. أعقب ذلك انحصار لدور مصر الإقليمي في القارة الإفريقية ما دعا دولاً كجنوب إفريقيا وإثيوبيا وليبيا معمر القذافي وحتى الكيان الصهيوني إلى ملء هذا الفراغ الإقليمي فتحولت مصر من مارد إفريقي إلى قزم. فنجد القذافي يرعي اتفاقيات سلام بين دول جوار كتشاد والنيجر! ويغدق الأموال على حكومات وقبائل إفريقيا لينال لقب (ملك ملوك إفريقيا) وتملأ ليبيا الفضاء المصري والأدهى والأمرُّ أن أدارت مصر وجهها ولم تلتفت للشقيقة السودان في محنتها وأزماتها المتصلة في الجنوب وإقليم دارفور وغيرها، على الرغم من تأثير هذا على الأمن القومي المصري! هكذا تدار الأمور.. هوى فرد وهو مبارك في كفة وتاريخ حضاري ودبلوماسي كبير لدولة رائدة كمصر في كفة أخرى!

استمرت العبثية ولم تنقطع فهي سمة حكم عسكري غاشم أوردنا المهالك إلى أن شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة وتحدي مصر مبارك وذلك بالمخالفة الواضحة والصريحة لاتفاقيات دولية بخصوص دول حوض النيل كاتفاقية (أديس أبابا) في 15 مايو عام 1902 والتي وقعت بين إثيوبيا وبريطانية (نائبة عن السودان) والتي بموجبها يحذر على إثيوبيا إقامة أية منشآت مائية على النيل الأزرق وبحيرة تانا أوالسوباط ومخالفة ذلك أيضاً لاتفاقية النيل عام 1929 والتي أبرمتها بريطانيا (ممثلة عن دول حوض النيل) من جهة ومصر من جهة أخرى وتقر بحصة مصر في مياه النيل، بالإضافة (وهذا الأهم هنا) لحق مصر في الاعتراض (فيتو) في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده. الشيء البديهي الذي لا يحتاج إلى دراسة أوسمة ذكاء هو تأثر حصة دولة المصب(مصر) في حال إقامة منشأ مائي عند دول المنبع وأية دولة أخرى من دول حوض النيل، وهذه قضية أمن مائي لا تحتمل أي عبث. شرعت إثيوبيا في تنفيذ المرحلة الأولى للسد بينما ينهمك مبارك وحزبه اللاوطني بمشروع التوريث! هذه هي الوضاعة والعمالة في أحط صورها.

تشهد مصر اضطرابات غير متوقعة وتندلع أحداث الثورة ويرحل مبارك ويأتي مجلس طنطاوي العسكري وتعيش مصر فترة انتقالية بالطبع هي فترة ضعف، وفي فترات الضعف تظهر أزمات الأمن القومي فتطالب السودان بحقها في حلايب وشلاتين بينما تقترب إثيوبيا من المرحلة الثانية لبناء السد مستغلة فترة الضعف، وبينما تسرع إثيوبيا في إتمام المرحلة الأولى والشروع في الثانية ينشغل المجلس العسكري بالحكم ودق الأسافين بين رفقاء الثورة ويدير ظهره لسد النهضة!

مع مرور الوقت وقرب الانتهاء من المرحلة الثانية للسد تتعاظم أزمة السد مع إصرار إثيوبيا على المضي قدماً في بنائه وتفشل جهود الوفد الشعبي المصري الذي ضم حمدين صباحي ونجل الرئيس عبدالناصر (الذي يحظى بمكانة عظيمة في قلوب الأفارقة) إبان فترة الحكم العسكري في التوصل لصيغة لإيقاف الأعمال الإنشائية للسد. ويشهد عام الرئيس مرسي ذروة تعاظم الأزمة خاصة بعد الدور الرديء الذي قامت به الأذرع الإعلامية للانقلاب في إيهام العامة أن الإخوان هم سبب الأزمة وأنهم سيفرطون في حصة مصر من المياه! وأصبح المادة الدسمة لإعلاميي الانقلاب في تشويه حكم الإخوان، خاصة بعد تواطؤ المخابرات العامة والحربية في بث لقاء مرسي بمستشاريه لمناقشة أزمة السد ما تسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين، وتستغل أذرع الانقلاب الإعلامية تلك الواقعة لتدلل على سوء سياسة الإخوان التي ستدخل مصر حرباً دللوا بها على عدم الحكمة! وكأن مرسي (الخائن) أراد أن يقحم جيش مصر في حرب ولو على سبيل التمويه! فجيش مصر للمكرونة والبيض واللحمة والفتة والضاني والبتلو لا للحرب والدفاع عن أمن مصر القومي.

ونأتي للمرحلة الأسوأ وهي ما بعد الانقلاب العسكري لتزداد مصر ضعفاً وعزلة خاصة بعد تجميد عضويتها في الاتحاد الأفريقي، وإثيوبيا تسابق الزمن لإنجاز المرحلة الثانية، وفجأة يخرج علينا حازم الببلاوي رئيس وزراء الانقلاب بتصريح حير أولي الألباب مفاده أن سد النهضة سيمثل رخاءً لمصر وإثيوبيا! أراد الحكم العسكري أن يساوم أمن مصر المائي باستعادة عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي ويستمر مسلسل بيع مصر من قبل طغمة العسكر. وبعد تنصيب جنرال الانقلاب رئيساً، يذهب إلى إثيوبيا ويوقع اتفاقية تقر بأحقية إثيوبيا في بناء السد على أن تُجلب لجنة خبراء أجنبية تقوم بدراسة السد للوقوف على مدى تأثيره على أمن مصر المائي مع استمرار إثيوبيا في بناء السد! الجنين في بطن أمه يعلم خطورته على مصر، ومصر لم تعدم من الخبراء والاستشاريين لنستعين بخبراء أجانب! كما أن التوقيع على تلك الاتفاقية تلزم مصر بها ويجب ما سبقها من اتفاقيات ويجعلها هي والعدم سواء، بما فيها اتفاقية 1902 و1929 و1959.. ويجري تخدير الرأي العام المصري بقرب التوصل لحل وفي ذلك يقول وزير الري الأسبق في عهد مبارك الدكتور محمد نصرالدين علام في مداخلة هاتفية ببرنامج "البيت بيتك" على قناة "Ten" الفضائية ، "إن عدم الاعتراف بالفشل والاكتفاء بالتعبيرات الرنانة، والحديث عن أن أزمة سد النهضة على وشك الحل، في ظل أن هناك 5 سدود أخرى يتم بناؤها في الوقت الحالي وسط تكتم إعلامي، سيؤدي إلى أننا عمرنا ما هنعالج أوهنتحرك". كما طالب بضرورة وقف أعمال البناء لحين انتهاء لجنة الخبراء من إعداد تقريرها".

ومن باب (شر البلية ما يضحك) يعلن جنرال الانقلاب مؤخراً عن مشرع استصلاح مليون ونصف فدان في الوقت الذي سنعاني فيه فقراً مائياً ونقص في حصتنا خلال فترة ملء السد (من 3 إلى 5 سنوات) من 3 مليارات متر مكعب إلى 18 مليار متر مكعب أي بمتوسط 9 مليار متر مكعب/السنة من أصل 55.5 مليار متر مكعب! وهذه هي (سياسة الفكاكة)!

وتستمر سياسة استغفال شعب أو قل استحماره بإيهام الرأي العام أن مصر تدعم المعارضة الإثيوبية مخابراتياً لإثارة القلاقل في إثيوبياً وهذا قمة الإفلاس السياسي. فرَّطَ العسكر في حقوق مصر كما فرط في السودان وتركه جريحا لنخسر تضامنه في أزمة السد.. لكن لماذا هذا التفريط؟! هل هو من باب استجداء الشرعية الدولية وفي مقابل ذلك يرخص كل غالٍ! شخصياً لا أجد سبباً مقنعاً، لم أقتنع إلا بشىءٍ واحد وهو عمالة الحكم العسكري بجل جنرالاته وأزمة السد في كل مراحلها مثال حي على تلك العمالة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.