المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح سعد Headshot

نصيحتي للشباب: أَحِبَّها.. ولكن

تم النشر: تم التحديث:

الأندلس قِبلة العالم الثقافي والحضاري في القرن الثامن الميلادي شاهدة على مجدنا الضائع بأيدينا نحن لا بأيدِي غيرنا، تعزو المصادر التاريخية سقوط الأندلس لأسباب عدة، أبرزها الاقتتال الداخلي بين أمرائها بعد انفراط عقد الخلافة الأموية هناك واستعانة بعضهم بولاة قشتالة وغيرها من الممالك الصليبية في مواجهة إخوانهم، ومن هذه الأسباب أيضاً الانحدار الأخلاقي الذي وصل إليه شباب الأندلس وكان الفضل الأكبر في ذلك لزرياب.

كان زرياب مطرباً وشاعراً وعازفاً تتلمذ على يد معلمه إسحاق الموصلي، الذي قدمه كموهبة نابغة في الغناء للخليفة العباسي هارون الرشيد، فأنشد للخليفة شعراً من تأليفه في مدحه فسُر وأمر بعطاء له مما أثار حقد وحسد معلمه الموصلي، فهدده بقتله مما اضطره للرحيل عن بغداد، وكانت وجهته التالية بلاد المغرب العربي، إلى أن وصل إلى الأندلس عاصمة الدولة الأموية، التي استقر بها وذاع صيته هناك حتى وفاته.

راسل زرياب الخليفة الأموي الحكم بن هاشم، فوافق وبعث له على الفور، وما إن وطأت قدمه أرض الأندلس إلا ووصله خبر وفاة الخليفة، فجزع زرياب ثم فوجئ بالخليفة الجديد عبد الرحمن الثاني يراسله ليأتِي إليه، بالفعل وصل زرياب وقدم غناءه وشعره وعزفه فأعجب به الخليفة، وراح يسأله عن أحوال البلاد والأمراء في الأماكن التي عاش بها، وازداد إعجابه عندما أبهره زرياب باطلاعه على علوم الفلك والجغرافيا والآداب، فأمر الخليفة له بعطاء وأنزله وأسرته بعقار وبستان يليق به.

لم يكتفِ زرياب بالغناء والعزف والشعر؛ بل وضع بصمته في الحياة الاجتماعية والعادات اليومية، وليته ما وضع! فهو من علّم الناس تنويع الملبس بين أوقات اليوم صباحاً ومساءً وبين الفصول الأربعة وتقلبات الجو المختلفة، كلبس الثياب الخفيفة القاتمة الألوان في الربيع، والملابس البيضاء في الصيف، والمعاطف والقبعات التي من فرو في الشتاء، وهو الذي علّمهم فن التجميل والعناية بالبشرة ونظافة الجسد والبدن؛ حيث يعد أول من استخدم مساحيق ومركبات لإزالة رائحة العرق، وهو الذي قام بإدخال قصات وتسريحات شعر مختلفة لكلا الجنسين لم يكن يعرفها الأندلسيون من قبل، بعد أن قام في البداية بتطبيقها على نفسه وأهله ليعجب بها أهالي الأندلس فيما بعد لمّا رأوها أنيقة وتضفي على الشخص جمالاً،

وحتى الطعام لم يسلم من لمساته، فهو من علم الناس إعداد مائدة أنيقة للطعام وتنظيمها واستخدام أكواب وصحون من الزجاج بدلاً من التي كانت تُصنع من المعادن؛ لأنها أكثر أناقة، وأخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء والأساطير والروايات وما إلى ذلك حتى تعلّق الناس به بشدّة، وتعلّق الناس بالغناء، وكثر المطربون في بلاد الأندلس، وبدأوا في هجر القرآن، ثم بعد ذلك انتشر الرقص، وكان في البداية بين الرجال ثم انتقل إلى غيرهم وهكذا، فكان زرياب سبباً رئيسياً من أسباب سقوط الأندلس لما فعله من صرفهم عن الجهاد إلى الدنيا بمتاعها وزينتها!

ما فعله زرياب بالمجتمع الأندلسي يمكن تلخيصه في تلك الرواية التي أوردتها الكثير من المصادر، والتي تتحدث عن الجواسيس التي اعتاد أن يرسلها ملوك قشتالة الصليبية لتتحسس أخبار المسلمين ومعيشتهم قبل محاربتهم، ففى أحد العصور ذهب جاسوس بعد أن تنكر في زى عربي إلى فتية يتدربون على رمي السهام فوجد فتى بعيداً عنهم يبكي فسأله عن سبب بكائه، فأخبره الفتى أنه أخطأ سهماً واحداً من أصل عشرة أسهم رماها، فارتعد الجاسوس وأخبر ملكه ألا يغزو المسلمين الآن! وتمر السنون ويوهن المسلمون، فيذهب جاسوس إلى الأندلس متنكراً فيجد شاباً يبكي على صخرة وعندما سأله عن سبب بكائه أخبره بأن عشيقته تركته وهجرته! فبعد أن كان الجهاد ورفع الراية هو جل هَم شباب المسلمين، وتنوع الجهاد ما بين جهاد دفع الصائل القشتالي الآرجوني وجهاد الطلب وجهاد الصيف والشتاء، تفرغ الشباب للدنيا ومتاعها وعاشوا حياة الترف والمجون!

نترك الأندلس بزريابها وفتاها الذي بكى عشيقته لنذهب لقصة رائعة سمعتها من صديق لي، قصة حب نشأت بين شاب وزميلته بكلية الهندسة وبعد فترة التزم الشاب والفتاة فتعاهدا ألا يغضبا الله وأن يكتم كل منهما حبه ويصبر السنين الباقية من الدراسة لحين أن يذهب لخطبتها إن قدر الله له ذلك.. بالفعل تمر السنون الباقية من الدراسة دون أن يدور بينه وبينها أي حوار، كاتمين شغفهما وحبهما؛ لتنتهي الدراسة ويتقدم الشاب لخطبة زميلته وبعدها يكلل حبهما بالزواج.. يمر عامان على زواجهما فيقسم الزوج أنه كلما ذهب للعمل وخلافه خارج البيت ثم رجع ووجد زوجته في انتظاره يشعر بحرارة وحلاوة أول لقاء بينهما يوم زواجهما، ويعزو ذلك لصبرهما وإصرارهما على ألا يغضبا الله طيلة سنوات حبهما.. سبحان الله!
الحب ابتلاء فلا سلطان على القلب إلا لله..

أحِبَها ولكن.. فإذا كان من الحب بد فاصبر وحاول بكل ما أُوتيت من قوة ألا تغضب الله، وتذكر الله، فإذا كان هذا حبك لعبد من عباده فكيف يكون حبك لرب العباد؟! فاحذر أن تشرك معه أحداً من البشر دون أن تدري!
أحِبَها.. ولكن كن راضياً بقضاء الله وقدره، وإن قُدر لك أن تكون زوجتك فستفوز بها وإن لم يُقدر فاصبر واحمد الله ففي ذلك خير.. وإن كانت لغيرك فزد في الصبر وادعُ لها.

أحِبَّها.. ولكن إذا كنت تتمتع برفاهية هذا الحب فتذكر إخوانك المرابطين الذين يذودون عن حياض الأمة من أجلك وأجل إخوانك، تذكر أن هناك مَن هم في المعتقلات يسومونهم سوء العذاب؛ لأنهم خرجوا دفاعاً عنك وعن الأمة ويتحملون الضربات عن الباقين!

أحِبَّها.. ولكن اعلم أن هناك أخوات لها في شتى بقاع الأرض يعانين الاضطهاد والتحرش والاغتصاب فقط لكونهن مسلمات كما في بورما وغيرها.

أحِبَّها.. ولكن لا تنسَ إخوانك المرضى والجوعى والمشردين والمطحونين والمهجّرين الذين دفعتهم الحروب لحياة المخيمات في ظروف المناخ القاسي المميت.

أحِبََّها.. ولكن لا تجعل حبها يشغلك عن قضايا الأمة ومصابها، فتكون كصاحب زرياب الذي بكى فتاة فضيِّع الأرض والعرض.

أحِبَّها.. ولكن إما أن تكون فتى زرياب أو فتى الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.