المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح نصحي  Headshot

عن اليأس و الكُفر ... و ما بينهما !

تم النشر: تم التحديث:

(1)
يأسك وصبرك بين إيديك وإنت حُر
تيأس ما تيأس ، الحياة راح تِمُر
أنا دقت من ده ومن ده
لقيت الصبر مُر ، وبرده اليأس مُر..... وعجبي!
كانت هذه من أواخر كلمات أستاذنا صلاح جاهين عن اليأس قبل دخوله حالة اكتئاب حاد سنة 1967 و التي رافقته حتى انتحر عام 1986 ميلادي... في رأيي لم يكن جاهين مُنافقاً بحيث يقصف لنا فكرة اليأس في رباعياته من جهة، ثُم يذهب ليغوص هو فيها حتى ينتهي الأمر بانتحاره، ولكن الذي يعلم تفاصيل الحالة انتابت جاهين "عليه رحمة الله" سيعلم أنه دخل في حالة اكتئاب حاد بعد نكسة 1967، لأنه شعر بأنه كان يبيع للناس آمالاً و طموحات دولة، اكتشف هو بعد ذلك أنها دولة تمتلك سياسات فاقدة للصلاحية و لا تستطيع أن تُحقق تلك الطموحات والآمال بهذا الفِكر الذي أودى بالبلد كُلها لنكسة نفسية واجتماعية قبل أن تكون نكسة عسكرية.
في الحقيقة ليس هذا كله مرمى حديثنا هذه المرة، ولكنه كعادتنا سويا سيكون حديثنا عن الدلالات، عن دلالة اليأس، وكيف أن ليس كُل اليأس خيانة، وكيف لليأس أن يكون المَخرج الأجدى من النفق المُظلم الذي دخلنا كُلنا فيه، سواء كان دخولنا في ذلك النفق هو أحد اختياراتنا العشوائية التي شَكلت حياتنا الحالية، أو كان دخولا جبريا مع مَن دخلوا.
اليأس هو أحد الكلمات الجاذبة النافرة في نفس الوقت، نظرا لحجم دلالة هذه الكلمة في واقعنا الحالي، هو أداة التبرير لدى أحدهم، و أداة الاتهام لدى الآخرين.. هو الواجب والذنب في آن واحد... هو أحد أفكار التشكيلة الإنسانية، و هذا يعني أن لليأس قوته وليس كُله ضعف أو خيانة.
في حدود منظاري الخاص، أرى أن قدرة الإنسان على اليأس هي أحد الخوارق في زمننا هذا، رغم أن هذه القدرة النفسية موجودة بالأساس في تشكيلته كما ذكرنا سابقا، ولكن تراب الأحداث والمؤثرات دَفن تحته الكثير من ممكنات هذه النفس الإنسانية.
نعم... قدرتك على اليأس مِن الأشخاص، الجهات، المؤسسات، الهيئات، التنظيمات، الحكومات، الاتجاهات .. هي أولى خطوات تغيير عتبة رؤيتك، وبالتالي فهي أولى خطوات تغيير الواقع الذي كبتت كُل هذه الأطراف على أنفاسه وأنفاسك معه لسنوات طويلة.
(2)
والكُفر هو المرحلة الأبعد، مرحلة ما بعد اليأس.. فهنالك الكثير من المفاهيم والأفكار والتصورات "على المستوى النظري" ، والأشخاص والمؤسسات "على المستوى التطبيقي" .. والتي لن ترحل عن كتفيك إلا بالكُفر بها، ولن ينقطع عبثها الدائم بأحوال الناس وأحلامهم إلا بإعلان حالة اليأس في وجه تصوراتها و خطواتها التي أخرجتنا جميعا من العصر وأودت بنا نحو الهلاك... فسقط من سقط، وبقي من بقي بين مجروح القلب ومبتور الفِعل.
اليأس والكُفر...
لا حديث عنهما في الأوساط العامة والميديا بكل أنواعها إلا ويذكرهما الناس بسوء، و كأنهما السبب الذي أفسد علينا عالمنا!! .. تلك ثقافتنا العامة، زُرعت فينا أو زرعناها بأيدينا، لا فرق.. المهم أنها موجودة بالفعل، فصرنا نُقيد كل شئ فقيدنا المصطلحات والمفاهيم والدلالات بمعانٍ ثابتة جامدة.. فأصبح اليأس خيانة، ولا شيء آخر غير ذلك.. وأصبح الكُفر أخبث الأشياء على ظهر الأرض...!!
كيف يصير هذا في حين أننا رأينا تجارب كثيرة أخرى استخدمت اليأس والكُفر في إصلاح أحوالها، فيئست من أحوالها المتردية وكفرت بأفكارها البالية ورموزها الواهية، فكانت هذه هي الخطوة الأولى التي شَكّلوا بها واقعهم الجديد، حتى صاروا أحد الأطراف الفاعلة في عالمنا الحالي.
ألمانيا تلك الدولة النازية التي احتضنت كماً من الأفكار التي كانت تكفي لتدمير العالم، نجدها في 1961 ميلاديا ليست ألمانيا النازية التي كان يعرفها العالم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 ميلاديا.
ستة عشر عاما فقط استغرقتها ألمانيا لتصنع عصرها الجديد ، صنعته ألمانيا بالكُفر بأفكارها القديمة التي دمرت 95% من البنية التحتية للدولة في نهاية 1945، و في غضون سنوات قليلة كانت تنافس في مربع الأقتصاد العالمي في مطلع عام 1961.
ثُم اليابان، ذلك الكوكب الجميل الذي لا يعيش معنا على الأرض كما يقول عنها البعض، انظروا لها أيضا في نهاية 1945 ميلاديا و ما سَبق هذه العام، ثم انظروا لها بداية من عام 1947 م وهي تُعيد النظر في كل ما يتعلق بشأن زراعة الأفكار والتعليم حتى الوصول لذروة هذا العمل في عام 1989 م وهي تُقدم لنفسها وللعالم نظاما تعليميا و فكريا لم يشهده زمانها، حتى وصلت اليابان إلى ما وصلت إليه الآن.
نعم... نحن بحاجة إلى إعادة النظر في كُل ما شَكّل لنا ذواتنا وشَكّل علينا حياتنا، بحاجة إلى النظر في أنفسنا، في أفكارنا، أدواتنا، ممكناتنا... بحاجة إلى النظر في التصورات والمصطلحات التي قيّدناها و قيّدنا أنفسنا بها.. حينها ستحكي لنا تجارب كثيرة بأن اليأس هو أحد عوامل النجاح، و أن الكُفر أحد ركائز الإيمان.
نعم للمرة الثالثة... الكُفر بالقيود والأُحاديات وتصورات العصور الوسطى هي أحد ركائز الإيمان بالذات و ممكناتها المتجددة عبر العصور.
أما اليأس... ذلك السلاح الذي قَتل الكثير، هناك من استخدمه لإنهاء صلاحية من خرجوا به خارج إطار الزمن، فصَنع بيأسه منهم عصرا جديدا، وتقدمت به أماكنه ودوائره، وهناك من ترك يأسه لنفسه، فراح ضحية يأسه النفسي كما ذهب أستاذنا صلاح جاهين وغيره.
فلا تغمد سيف يأسك في صدرك، بل أخرجه وحارب به كل مَن أرادك خارج الزمن.. خارج العصر و السباق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.