المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح نصحي  Headshot

عن الذات .. عن الممكنات .. عن الأوهام

تم النشر: تم التحديث:

(1)
ثلاث كلمات صاحبة دلالات كبرى يصرخ بهم عالمنا الثقافي العربي ، كأن كُل مُتحدِث عنهم هو أحد الذين اصطفاهم الله ليكون خارج مساحة التوهان والحيرة ، في حين نجد أن نفس الإنسان الذي يجلس في عالمه الثقافي ثابتا صامداً كالجبل الذي لا يهزه الريح هو هو نفس الإنسان التائه المُنكسِر في عالمه التجريبي أو لنقُل "عالمه العملي الواقعي"

لم أكتُب هذه السطور مُحاولاً وضع أي تعريفات ثابتة لأي كلمة من كلمات المقال الثلاث (الذات - الممكنات - الأوهام) ، و لكني كتبتُ هذه السطور باحثاً عن دلالات تلك الكلمات الثلاث في عالمنا الفكري و نظيره التجريبي ، فقد حاول آخرون وضع تعريفات و رُتب خاصة بهذه الكلمات .. فنجد أحدهم يقول :

"ممكنات الإنسان هي جزء من ذاته ، ولكن الأوهام هي ليست من فعل الإنسان ، حيثُ أنها عوامل خارجية تُؤثر في الإنسان و لا تنتُج من داخله."

و آخر يقول : "لا ، الممكنات والأوهام هما طرفا الخير و الشر التي جُبِلَ عليها الإنسان ، فهما جزء أصيل من شخصيته و ذاته ، فإن أطلق الإنسان ممكناته كانت له الفتوحات و إن أطلق أوهام نفسه على نفسه ظل قابعا في سواد العصور الوسطى أبد الدهر."

و يأتي ثالثهم فيقول : "أرى بأن الأوهام جزء من اجتهادات البشر ، و قد يعيش الإنسان في أوهامه حاسبا أنه يُحسِن الصُنع ، ثُم يكتشف في نهاية المطاف أن عمله هذا كان الخدعة الكبرى في حياته ، و أنه لم يعرف ممكناته و لم يطُل عليها من نافذة الغرفة الوهمية التي قيّد نفسه بداخلها."

(2)
و حتى نتحرى الصدق في الحديث ، كانت الأقاويل الثلاثة السابق ذكرها هي من نسج خيال فكري التائه ، والذي لم يرضَ يوما عن أي شئ وصل إليه ، فإستمرت حيرته إلى هذه اللحظة التي أتحدث إليكم فيها .. و بغض النظر عن الأقاويل الثلاثة ، فهي بالأساس ليست هدفنا في حد ذاتها و لكن عرضتُها لأنها أحد افرازات التفكير في هذا الصدد ، وهي تُمثِل بلا شك التعريفات الضمنية للسواد الأعظم من الناس حول هذا الموضوع .. و لكني أستهدف معكم كما قلتُ سابقا ، البحث عن دلالة الشئ في واقعنا النظري و التطبيقي ، و بما أننا استهدفنا معا دلالة الشئ غير مكترثين بتعريفاً ساكناً أجوفاً ، فسنعرض بعض الدلالات التي تُمثل عصارة الجهد الإنساني حول هذه النقطة.

وجدتُ أن الذين بحثوا في دلالة الذات سواء كانوا فلاسفة متخصصين أو مُفكرين إجتماعيين ، اختلفوا في كل شئ حول دلالة هذا الأمر و لكنهم اتفقوا على شئ واحد فقط ألا و هو "أن ربط الذات الإنسانية بالحياة العامة في كُل نواحيها ينتُج عنه دلالة أكثر وضوحاً عن الذات و ما تملكه من دلالات و ما يتملكها من أوهام."

(السعي من أجل المتعة و الهرب من الألم) بهذه الجملة الشهيرة قام اثنان من كبار فلاسفة الفكر المادي و هما "ابيقور" قديما ، و "هولباخ" حديثاً ، بتحديد مبدأ الحياة الأساسي .. هذا المعنى المادي لفهم الإنسان و مكنوناته قصره على أنه حيوان و لكنه أكثر الحيوانات كمالاً.

و لكن كا لــ علي عزت بيجوفيتش رأياً آخر يسرده لنا في كتابه "الإسلام بين الشرق و الغرب" مُتأثرا بجانب آخر من جوانب الفكر الغربي ممتزجا بالنزعة الدينية التي تحلى بها ، فيقول :

(لو كان الإنسان ببساطة أكثر الحيوانات كمالاً ، لكانت حياته بسيطة خالية من الأسرار ، و لكنه ليس كذلك .. إنه دودة الأرض و ابن السماء ، و لكونه مخلوقاً فهو كائن "مشوش" و لذلك فإن التناغم الذي ذهب إليه الفيلسوف "إقليدس" غير ممكن .. و ليست حقيقتنا الأصلية وحدها قائمة على فكرة الخلق ، و لكن أيضاً خطايانا و آثامنا .. ففي إطار فكرة الخلق ، يجد الإنسان نُبل محتده ، و يخوض غمار المجاهدة الأخلاقية ، وما في الحياة من مآسي و معضلات و إحباطات ، و يُصادف النقمة والقسوة و خُبث الطوية .. ولا يعرف الحيوان شيئاً من هذا كله ،، و هنا يكمن معنى تلك اللحظة التي صنعت عصراً جديداً.)

(3)
إذن يتسع بنا المجال الآن ، لإعلان حالة الحيرة و التيه البحثي عن استبقاء حالة الجمود التام و السكون المميت التي يتميز بها عالمنا الثقافي العربي ، حيثُ أن ربط الذات الإنسانية بتفاعلات الحياة لإدراك دلالة لحجم ممكنات الإنسان و أيضا مساحات أوهامه في كل معارك الحياة الإنسانية (الإجتماعية - السياسية - النفسية - العملية - الإقتصادية ......) لهُو أجدر فِعل بهذه الذات الإنسانية المليئة بالأسرار.

عزيزي القارئ ، لا تقف عند أي حد من الحدود ولا أي تعريف من التعريفات التي تجعلك تُؤمن بأن الوهم هو ابن الشيطان ، ولا أن الإنسان غير قادر لأنه ليس بملاك ، ولا تجعل من نفسك مُسجِل يُسجِل الخبرات والتجارب و الأفكار ليُعيد تكرارها كما هي ، لأن آلة التسجيل و أدوات التوثيق تفعل ذلك أفضل منك ، ثُم أن الذي ابتكر للعالَم آلة التسجيل ، لابد وأنه آمن بأنه يبتكر شيئا للإنسان ليعلو به و بمكانته فوق وظيفة البغبغاء.

لا تقف عند (لا تقف) التي أقولها لك الآن ، فالسكون أحد أكبر الأوهام التي أراها ، والتي يراها آخرون مجداً لم يُحرزه غيرهم ... !!

عزيزي القارئ الذي تَحمَل قراءة كل هذه السطور التي لا تُعطيك تعريفا ثابتا ولا حل جاهزا ، شكراً لك مرتين .. شكراً لأنك تبحث عن تعريفاتك الخاصة التي تضعها بيدك ، ثُم شكراً لأنك أعطيتني فرصة الحديث أمامك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.