المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح اسماعيل  Headshot

الـ 60 عامًا الفائتة إلى أين ذهب العالم وإلى أين ذهبت مصر

تم النشر: تم التحديث:

الهند (1)
عندما تتحدث عن التغيرالكامل والشامل للعالم تأخذنا بوصلة التاريخ إلى فترة الانتهاء وليست البداية من حرب "الهلاك والبزوغ" معًا إن صح التعبير، وهي الحرب العالمية الثانية التي قادها وكان سبباً فى قيامها "أدولف هتلر"، ففي الحرب العالمية الثانية حدث الكثير والكثير من الانهيار الذي أشرت إليه، ثم البزوغ أيضًا، فاحتلت ألمانيا بولندا اجتياحًا، وتدخلت فرنسا، ثم إعلان ألمانيا الحرب على الفرنسين، لتستسلم فرنسا، وغزو الألمان للاتحاد السوفيتي، وسقوط اليابان بعد ضربهم للقواعد البحرية الأميركية، ثم هزيمة دول المحور وسقوط برلين، وانتهاء الحرب تقريبًا فى 1945 إلى أن جاء الهلاك بعدما ضربت أميركا اليابان نوويًّا "بهيروشيما ونجازاكي". بعد انتهاء الحرب فعليًّا أصبحت الدول المنتصرة في الحرب هي الصين والمملكة المتحدة والاتحاد السوفيتي والأمم المتحدة وفرنسا، وبعدها أنشأت الأمم المتحدة UNITED NATION لمنع الصراعات، وخرج العالم من الحرب بتوليفة جديدة سياسيًّا وعسكريًّا.

لقد تعمدت أن أذكر حقيقة بداية الـ 60 عامًا الفائتة وكم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الذي حدث للعالم كله نتيجة الحرب، سواء كان للدول المنتصرة أو حتى للدول المهزومة على حد سواء، ولكن بعد هذه الحرب الملعونة فُتحت آفاق جديدة للبناء والتنمية العقلية لدى بعض الدول، فزالت الرهبة من نفوس الكثير، وأصبح الجميع يسعى لتحصين نفسه؛ حتى لا يكون فريسة سهلة لأي من دول السعار فى ذلك التوقيت، لكن التحصين الذى رأته بعض الدول لم يكن تحصينًا عسكريًّا اقتصاديًّا فقط ولكن كان تحصينًا علميًّا تقنيًّا، ومن ثم تحصينًا نوويًّا يجلب الأمان في حالة حدوث حراك أيًّا كان نوعه، فللأسف أصبحت المادة المهلكة للبشرية هي أحد أذرع حماية البشر فى هذا العالم، وأصبح من لا يملكه لا يملك الكثير فهو يكون كثيرًا للحماية، كما قلت كثيرًا جدًّا للتفاوض في أمور أخرى.

هذه كانت المقدمة التى رأيت أن أرويها فى بداية سلسة حلقات الكتابة وجهدت أن أختصرها ما استطعت، وهذا حتى يرى من يقرأ كيف كان العالم في الـ60 عام الفائتة وإلى أين ذهب وإلى أين ذهبت مصر محور الحديث فى حلقات الكتابة.
لم ينته الحراك بعدما انتهت الحرب العالمية الثانية كما أشرت سلفًا وبدأت شعوب بعض الدول في إحداث حركات من أجل التغير والاستقلال، مثلما حدث مثلاً في فرنسا 1968 وقيام حركة ماي التى وصفها الواصفون أعمق وأنبل وصف وصفت به حركة، فوصفها إغناسيو راموني أحد قادتها ومدير جريدة لوموند بأنها "ثورة ثقافية بتعابير سياسية"، أعود إلى عام 1947 حيث استقلال البلد القاطرة كما أسميها، فهي حقًّا قاطرة بشرية كانت ولا تزال، لكن الإضافة بعد الاستقلال أنها أصبحت القاطرة العلمية الأولى في العالم متخطية فى رأيي الولايات المتحدة، فلك أن تعلم أن رئيس شركة ميكروسف الجديد هو Satya Nadella هندي الجنسية وأيضًا رئيس شركة جوجل ساندر بشاي هندى الجنسية.

فاستقلال الهند لم يكن استقلالاً عاديًّا مثلما كان فى بعض الدول التى نالت استقالالها فى نفس حزمة الزمن، ونشير هنا إلى مصر، فمصر نالت الاستقلال ملكيًّا بعد انقلاب يوليو 1952 الذى قام به بعض ظباط الجيش على ملك مصر فاروق الأول في ذلك الوقت، فبعض الناس يسمون هذا إجلاء لرؤيتهم أن الاستقلال تم عام 1922، لكن حقيقة الوضع تقول إن مصر في هذا التوقيت أصبحت دون وصاية ملكية؛ فالاستقلال هو استقلال الشعوب بأن يكون حاكمها واحد منهم حتى وإن كان ديكتاتوريًّا غاشمًا يبيع الوهم ويقتل الحلم، فألامر أصبح متشابهًا بيننا وبين الهند، ليس إلى حد التمام ولكن إلى حد كبير، ولكن نرى ماذا فعل نهرو وماذا فعل عبد الناصر وضباطه وإلى أين أوصل "جواهرلال نهرو" الهند التى كان يبلغ عدد سكانها فى ذلك التوقيت مليار و200 مليون نسمة، وإلى أين أوصلنا جمال عبد الناصر ورفاقه وكان عدد سكان مصر 22 مليون نسمة.

بدأ نهرو في بداية هي الأعظم في تاريخ كل رؤساء الدول، وهي التي أدت بالهند إلى ما هي عليه الآن، فلم يبنِ المعتقلات ولم يقتل المعارضين ولم يعسكر الدولة تنظيميًّا واستحواذًا، ولكن نهرو أنشأ "المجلس الأعلى للتخطيط" وبدأ نهرو يتوسع الحركة العلمية بشكل غير عادي، فاهتم بالتعليم وأنفق كل ما استطاع توفيره لبناء بنايات التعليم هناك، وكان ينظر ويقول هنا المستقبل، وبدأ نهرو في فرض الهند علميًّا وتقنيًّا بعدما نجح في أن تكون للهند معاهد تقنية عالمية من الطراز الأول، وكانت البداية العظيمة وقتها معاهدة (Indian Institute of Technology) المعروفة لدى المبرمجين بالـ (IIT) فنجحت الطفرة العلمية في الهند، ولك أن تتخيل أن نصف مبرمجي العالم ومعلمي التقنيات من الهند، أما عن عائد هذا العلم فقط في الهند فهو 100 مليار دولار - الهند الآن دوله نووية من الطراز الأول - الهند الآن دولة اقتصادية صناعية من الدول العشر الأولى على العالم فهم يصنعون السيارات والهواتف وأجهزة الكمبيوتر، حتى الأجهزه المنزلية مثل المرواح والغسالات وغيرها، ذلك بخلاف أنهم المصنعون الأوائل بعد ألمانيا في صناعة المازر بورد - الهند الدولة الأولى في العالم في الاكتفاء الذاتي للحبوب الغذائية - الهند أصبحت دولة فضاء وهي من الدول الـ 21 التي لها مركب فضاء على كوكب المريخ ولها 45 مركبة فضائية تسبح في الفضاء، في الهند الإنترنت في كل مكان مثلما العدل أيضًا بلد متعددة الأديان دولة كفولية الحريات والعقائد، دولة الهند الفرق فيها بين أي مواطن وآخر هي درجته العلمية، أما عن المفارقات بين المصريين والهنديين فلك أن تعرف أن فى الستينيات عندما كان يذهب الطالب الهندي والمصري إلى إنكلترا للحصول على شهادة الدكتوراه، كان لا بد وقتها أن يقوم الهندى بعمل معادلة علمية ليصل مستواه العلمي إلى المصري والإنجليزي، هكذا كانوا وهكذا كنا، الآن الهند تعلّم العالم كله، إلى أين وصلوا وإلى أين وصلنا.

ويأتي الحديث تباعًا عن مصر وكم كنت أتمنى أن أذكر مفارقات إيجابية عن المحروسة ولكن النهوض والوصول إلى ركب العالم لن يحدث إطلاقاً ما لم نتكلم نحن لا غيرنا عن جراثيم الإبادة التي تحمل على أكتفاها وصدورها النياشين الزائفة، فالجراثيم تسبح حولنا مثلما تسبح مركبات دولة الهند في الفضاء، فهنا تم إهمال التعليم عمدًا من أنظمة تجردت من آدميتها عندما عملت على تقوية وحماية نفسها بإعلاء قيمة الجهل وأخذ الجهلاء الفقراء دروعًا بشرية يتحامون ويحتمون فيها، من كل من قال العلم هو سبيل النجاة، فمصر الآن هى الدولة الأولى في تراجع مستوى التعليم في العالم، وهي الدولة التي تملك 22 مليون شخص لا يقرأ ولا يكتب من أصل 90 مليونًا، مصر هى الأولى عالميًّا فى سوء حالة الرعاية الصحية المقدمة لشعبها، مصر هى الدولة الوحيدة التي تاهت لها مركبة فضائية، ولا نعرف عنها شيئًا إلى الآن، مصر هى الدولة الوحيدة في العالم التي يسكن سجونها ما بين علماء وأطباء وشباب حلموا ونادوا ببناء دولة ذات بنية تعليمية تصارع دول العالم فيما وصلوا إليه.

ياسادة الدول الفقيرة مثلنا دائمًا ما تقول: نحن من الفقر بحيث يستوجب منا الأمر أن ننفق كثيرًا على التعليم

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.