المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سامح فتحي  Headshot

مصر بين حبِّ الوطن وحبِّ الوثن...!!

تم النشر: تم التحديث:

أنـا تـاج العلاء في مفرق الشـرق ودراتـــه فــرائــد عــقـدي
أي شيء في الغرب قد بهر الناس جمـالاً و لم يكـن مـنـه عـنـدي

إذن هي مصر التي وصفها الشاعر حافظ إبراهيم إبان العصر الملكي في قصيدتها (مصر تتحدث عن نفسها)، مصر التي زُرع حبها فينا منذ الصغر فأحببنا فيها المكان والطبيعة والأهل والجيران، وغرس آباؤنا هذا الحب فينا بكثرة الحديث عن مصر وأفضالها على العديد من دول العالم.

كنا صغاراً ولا ندرك شيئاً مما يقال إلا أن (مصر أم الدنيا), وبرغم ما كان يعانيه أهلنا من ضيق ذات اليد وصعوبة المعيشة في هذا البلد إلا أنهم أصروا على غرس قيمة حب الوطن فينا وأن هذا الوطن فيه من الخير الكثير إلا أن هناك (أشراراً) في هذا الوطن ينهبون خيراته وثرواته، حب هذا الوطن متأصل فينا منذ الصغر، حب حقيقي لا يشوبه مصلحة أو منفعة من هذا الوطن ولم نكن ندرك حين ذاك أن هناك أنواعاً أخرى من حب هذا الوطن.

وعندما اتسعت المدارك وبلغنا سن الشباب أدركنا أنَّ هناك درجات للمواطنين وليس كلنا سواسية، عندها تبين أن هناك حب آخر لهذا الوطن وهو حب المصلحة والمنفعة ثم يليهما حب الوثن، فهناك فئة من هذا المجتمع تذوب عشقاً في مصر، ولكن لمصلحتهم التي تؤمن لهم ولأولادهم ولأحفادهم من خلفهم الحياة الكريمة مادام الوضع كما هو عليه.

فئة المحصنين من رجال أعمال وضباط شرطة وجيش وقضاة جميعهم إلا قليلاً أحب مصر من أجل المصلحة المستمرة والخير الذي يعم عليه وذريته من بعده من مناصب وحصانات وامتلاك لمئات الأفدنة من أرض مصر دون حساب، فكيف يا سادة تحبون وطناً ينهش في أركانه الفساد أليس من الأولى أن تقفوا بجوار المواطن البسيط ونحارب هذا الفساد المستشري في هذا الجسد لكي يعيش الجميع في خيرات هذا البلد، ولكن هذه الفئات أرادت لمصر قبل ثورة يناير وبعدها أن يظل هذا النظام بفساده كما هو عليه لأنه بضمان استمرار الفساد هناك ضماناً لاستمرار المناصب والرشوة والمحسوبية.

وعندما حاول الشباب أن يحاربوا هذه المؤسسات الفاسدة خرجت علينا هذه الزمرة الفاسدة ومن خلفها أجهزة الإعلام التي يمولها كبار اللصوص ممن يسمون (رجال الأعمال) والذين تضخمت ثرواتهم بنهب مقدرات الدولة, خرجوا علينا ليعلنوا للمواطن المصري أن هؤلاء الشباب يريدون تدمير مؤسسات الوطن وأنهم عملاء وخونة يريدون هدم مصر وخرابها، ولكي لا نصير مثل سوريا أو العراق لا بد وأن نحافظ على هذه المؤسسات بفاسدها.

فكيف تدعي حب وطنك وتتركه لمجموعة من اللصوص ليفسدوا فيه، لابد من محاربة هذه الكيانات الفاسدة وهدمها بالكامل لأنها أصبحت كجزء من الجسد يملأه السرطان لا علاج له إلا البتر, فنموذج الدول الأوربية التي نجحت فيها الثورات قامت على هدم الأنظمة والمؤسسات القديمة بالكامل لأنها هي من ساعدت الحكام الفاسدين على نهب المواطنين بطرق منتظمة.

وفي الأخير بين حب الوطن الحقيقي وحب الوطن المصلحة، يوجد حب مصر الوثن ويتمثل في مجموعة من عامة الشعب المصري والذين لا يتمتعون بحب المصلحة لأنهم ليسوا أصحاب مال ولا سلطة ويعانون أشد العناء من الظلم في هذا الوطن ولكن استطاع الإعلام تضليلهم ولخص حبهم لهذا البلد في حب مؤسسات بفاسدها وتقديس هذه المؤسسات وإيهامهم أن هناك من يحاول هدم هذه المؤسسات الناهضة (على الرغم من علم هذا المواطن بفساد هذه المؤسسات بل إنه لا يستطيع أن ينجز أي أوراق رسمية في هذه المؤسسات دونما دفع رشوة)، فتلخص الحب عند هذا المواطن في تقديس مركز شرطة أو نقطة عسكرية أو مصلحة ضرائب. ووصل به التقديس إلى تفضيل أشخاص تسببوا في انهيار ونكسة هذا الوطن، فما زال الإعلام يمجد لهذا الشعب (عبد الناصر) على الرغم من الخسارات التي مُنيت بها مصر في عهده ومازالت نفس الماكينات الإعلامية المضلة المضللة تمارس نفس الدور في تمجيد أشخاص ومؤسسات كان لهم الدور الفاعل في جعل مصر في مصاف الدول المتأخرة، وأصبح هذا المواطن لسان هذا الأجهزة في تخوين الشرفاء والخروج في التفويضات لقتلهم وهو لا يعلم أنه مجرد دمية لمؤسسات فاسدة تتستر به.

مصر حالياً تعيش معركة وعي ولابد للساسة وكبار الشخصيات المؤثرة الوطنية الحرة أن تدير هذه المعركة وتوضح للمواطن الفرق بين حب الوطن وحب الوثن، ويتوجب علينا أيضاً أن نقف بجوار الوطن ضد أوثان الفساد التي وطدت أركانها وعاشت على امتصاص دماء أبناء هذا الوطن.