المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 سامح عبد الجليل Headshot

ثمة شيء عطن في الدنمارك!

تم النشر: تم التحديث:

كالعادة تتلاحق الأحداث بشكل سريع بحيث يصبح مجرد تتبعها وليس التدقيق فيها أو الوقوف على مدلولاتها تحدياً في حد ذاته. نأوي إلى الفراش على فاجعة ونصحوا على أخرى. تُغرينا هموم الحياة والانصراف الى احتياجاتها التي لا تنتهي على عدم التأمل في الأحداث والمرور على الأخبار مرور الكرام دون ربط هنا أو استجلاء لدلالة هناك.

ولكن زخم الأحداث ووطأتها هذه المرة يفرض قراءات ومقاربات مغايرة. فترف التعاطي مع الأحداث بسلبية الذي لا يعنيه الأمر لم يعد ممكناً، فلم يعد إشاحة الوجه وهز الكتفين والهروب بالسخرية وإطلاق النكات مقبولاً في ظل خطر داهم يتهددنا ومنطقتنا قبل غيرنا.

أدرك تماماً أن نفض الغبار عن طرق تفكيرنا والقراءات المغلوطة لواقعنا وأحداثه أمرًا عسيرًا وغير مريح. أدرك أيضًا ما قد يتبع ذلك من بروز إلى السطح لأمور وأشياء لطالما حاولنا تجاهلها وطالما وطّنا النفس على أنها لا تعنينا إيثاراً لسلامة متوهمة تارة أو تصديقاً لمرايا مضخمة للذات تارة أخرى.

أدرك أن القراءة الصحيحة للأحداث فيها تحطيم لمرايا الذات المحدبة، فالطالما صور لنا وهم المرايا وغواياتها أننا "الأحسن" و"الأذكى" و"الأطيب" و"الأرحم" و"الأطهر"، بحيث بات مجرد مراجعة هذه الصور خيانة وتغريباً واستشراقاً. هذه الصور للأسف يكذّبها الواقع وتتعارض ليس فقط مع تصورات الآخرين عنّا بل وتصوراتنا نحن أنفسنا عن أنفسنا (في لحظات التجلي والصدق النادر مع النفس)، فالواقع يقول إننا لا نقبل مثلاً الاعتراف بأننا أمة ولّت الأدبار تعيش انحطاطاً فكريًا ومعرفيًا لا يُرى له نهاية. كما أننا لا نقبل بالتحاور وتعدد الرؤى. تفسيراتنا وقراءتنا لواقعنا وواقع غيرنا مغلوطة ومتحيزة وأحادية.

ينبغي مثلاً الوقوف مليّاً أمام حادثة الأختين ثريا وجمانة التي تشير تحقيقات الشرطة الأردنية الأولية إلى انتحارهما.. ولا يمكنا بطبيعة الحال أن نغفل حادث الطائرة الروسية وأحداث بيروت وباريس الدموية. قد لا يرى القارئ أو الراصد المتعجل رابطاً بين الحادث الأول بالذات والأحداث الأخرى، وهذا قد يبدو صحيحًا للوهلة الاولى. بيد أنه ثمة خيط رفيع لا يكشف عن نفسه لهذه الفئة المتعجلة من القراء.

الإشكال في جميع هذه الأحداث المؤسفة هو أعمق من مجرد حالة انتحار مصير التحقيق فيها إلى الحفظ أو مجموعة من العمليات الإرهابية ينحر وينتحر فيها منفذوها. تفكيك المشهد والنظر إلى بناه التحتية يؤدي بنا إلى قناعة واحدة ووحيدة وهي أن "ثمة شيئاً عطناً في الدنمارك"، أقصد العالم العربي.

وكما هي العادة وعند كل حادث إرهابي يشتمّ أن عربيًا أو مسلمًا أحد أطرافه تظهر إلى السطح من جديد قضية الاندماج، حيث تفرد لها الصحف والمجلات عشرات المقالات وتغطيها البرامج التلفزيونية والإذاعية لعشرات بل مئات الساعات، ويكون محور الحديث هو رسوب المهاجرين العرب في اختبار الاندماج في الغرب. ينفض السامر وتنتهي التغطيات والتحليلات غالبًا إلى إدانة المسلمين واتهامهم في دينهم وثقافتهم وهذا مفهوم ومتوقع. الجديد هو أننا إِزاء بُعد جديد لمفهوم الاندماج يعطيه حادث الأختين.

تؤشر حادثة ثريا وجمانة إلى اندماج من نوع ثانٍ لا يحدث ولكنه مسكوت عنه ألا وهو الاندماج من الداخل. حادثة كهذه وغيرها من حوادث الانتحار داخل بلدان العالم العربي والتي زادت وتيرتها أخيراً تحتم علينا إعادة النظر في تعريف الهجرة والاندماج.

فالواضح أن بلدان العالم العربي - إضافة إلى الهجرة إلى خارج الأوطان والتي باتت حلم الكثيرين - تعاني من هجرة من نوع آخر ألا وهي هجرة أفرادها إلى داخل ذواتهم فيما يعرف اصطلاحاً بعدم القدرة على الاندماج.

الأسباب غير خافية على أحد. فعدم جدية نظم التعليم واقتصارها على التلقين وسطحية وشطط الملقن إضافة إلى انسداد الأفق السياسي والاستبداد هي لا شك عوامل طاردة يتحملها ويتعايش معها البعض ويرفضها ويتمرد عليها البعض الآخر. أما إشكال التمرد والرفض فتختلف باختلاف البيئة والتنشئة وحساسية الفرد نفسه. فخيار قتل النفس كحل وحيد هو أحد أشكال الرفض والتمرد، كما أن توهم الحل في الانخراط في التنظيمات الإرهابية لقتل الآخرين هو شكل آخر للرفض.

رغم ما تثبته التقارير والشهادات الحية من بحبوحة عيش ونجاح مهني كان للأختين إلا أن نوازع داخلية لا شك مرتبطة بالاندماج كانت أقوى، ودفعتهما للإقدام على ما أقدمتا عليه. تلك حالة فشل في الاندماج في الداخل يلام عليها المجتمع قبل غيره من الأطراف الأخرى. فحصر أمارات الاندماج وعلاماته في الثروة ويسر العيش والنجاح الوظيفي هو قصور في الرؤية وفساد في الاستدلال دفعت ثمنه الأختان.

أزعم أن حساسية الفتاتين المفرطة والتي فشل الجميع في التنبه لها مبكراً هي ما دفعتهما في هذا الطريق. وكأني بهما ترتقيان إلى بارئهما ولسان حالهما يقول: "ماذا تفيد سعادة أفراد بعينهم إذا كان السواد الأعظم تعيس؟"، و"ماذا يفيد المال إذا كان الآخرون فقراء؟"، بينما يسقط جميعنا - خزياً وعاراً - من شاهق.

أما الشكل الآخر لرفض الواقع والتمرد عليه فيكون بالهجرة إلى تنظيمات داخلية أو خارجية تدعي تضميد الجراح وجبر الكسور وتدعو إلى رفض المجتمع وتكفيره والخروج عليه إلى جنات عرضها السموات والأرض.

منسوبو داعش والتنظيمات الجهادية الأخرى هم أفراد فشلت محاولتهم في الاندماج سواء داخل أوطانهم او الأوطان التي رحلوا ورحل إليها آباؤهم بالغرب. الميل إلى نوازع العدمية والانتحارية هي خيارات اليائسين. ما يحدث هو عَرض لمرض خطير اسمه "اليأس". علينا علاج اليأس والقضاء على مبررات وجوده من فساد واستبداد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.