المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سمر دهمش جراح Headshot

الفرق بين باريس الشرق وباريس الغرب

تم النشر: تم التحديث:

لا بد أنك مثل الغالبية العظمى قد سألت نفسك هذا السؤال في الأسبوع الماضي، لماذ قام الإعلام الأمريكي الربحي بتغطية متواصلة لا تتوقف عن تفجيرات باريس ولم يقم بتغطية مماثلة للتفجيرات التي وقعت اليوم الذي قبله في بيروت؟

لنبدأ أولا بتفسير ما المقصود بالإعلام الربحي ثم نجيب بعدها عن ذلك السؤال الذي أرّق المعظم من الناس. يعتبر الإعلام الربحي بأنه جميع المحطات التلڤزيونية المشهورة التي تعرفونها مثل (فوكس نيوز، وسي إن إن، وإن بي سي، وسي بي آس). جميعها محطات مملوكة لشركات استثمارية كبرى لها مساهمين يهتمون بما تجنيه هذه المحطات من أرباح من الدعايات والإعلانات التجارية، أي أن نوع الخدمة التي تقدمها هذه المحطات الإخبارية والترفيهية للمشاهد لا يهم بقدر ما يهمهم كيفية جذب المشاهد للتفرج عليها وخاصة عند وقوع حدث داخلي مهم أو عالمي.

فكلما كانت التغطية مشوّقة وسبّاقة وبها إثارة للمشاعر، كلما كانت جاذبة لعدد أكبر من المشاهدين. وكلما كان الحدث به خطر ودماء وقتل وموت وحياة ونجاة وجرحى وإنقاذ، كلما زادت التغطية أكثر.

فما بالك عندما يحدث كل هذا في مدينة مثل باريس معروفة عالميا بأنها بلد الموضة والجمال والرومانسية والمشروبات الروحية وطهاة أشهى الطعام والمطاعم والمقاهي. هي المدينة التى قتلت فيها أميرة القرن ديانا وهي مدينة الفن التشكيلي والمتاحف والسياحة. فكم من أمريكي من المتوقع بأن تصادف وجوده هناك في باريس ليلة وقوع التفجيرات وكم من سائح أمريكي يمكنك أن تتوقع تصادف وجوده ليلة وقوع التفجيرات في بيروت؟

باريس دولة أوروبية وأغلب سكانها مسيحيين كمعظم سكان أمريكا. إذاً، فهناك عامل تاريخي وثقافي يربط الصحفي والإعلامي والمشاهد مع الباريسي أكثر من البيروتي. ومن طبيعة الإنسان أن يتعاطف مع من يشبهه ومن يعرفه ويعرف عنه وعن تاريخه وثقافته وبلده أكثر من المجهول البعيد في بيروت. وعلى ما يبدو أيضاً، فإن قلة من الأمريكيين يعرفون بأن بيروت تعتبر باريس الشرق لدى العرب، فحتّى أدبياتنا العربية تشبّه بيروت بباريس.

أضف لكل هذا فإن الحرب الأمريكية على الإرهاب موجهة في أغلبها ضد منظمات "إسلامية" متواجدة في بلدان مسلمة وعربية. زد على هذا قليلا من العوامل الأخرى مثل الجهل الأمريكي بالتاريخ والجغرافيا والتعصب ضد الآخر الغريب المجهول الأسمر البعيد الذي يسكن في الشرق والذي جاء منه التسعة عشرة إرهابي الذين اعتدوا على أمريكا في الحادي عشر من سبتمبر.

ومن ضمن الجهل بأمور كثيرة، فإن الأمريكان يجهلون أيضا تاريخ فرنسا الحديث ويغيب عن ذهن الأمريكي بأن فرنسا كانت تحتل بلدان عربية وإفريقية حتى وقت ليس ببعيد. وأن الجزائر تحررت من الاحتلال الفرنسي بعد أن قدّمت مليون شهيدا، لكن الناس لم يشاهدوا صور الجنود الفرنسيين وهم يحملون رؤوس مقطوعة للتباهي بالنّصر، فكيف يمكن للمواطن الأمريكي الجاهل بكل هذا بأن يأخذ موقفاً مختلفاً ضد فرنسا؟

رغم كل هذا، قد تتعجب بأن كثير من الأمريكيين لا يحبّون الفرنسيين كثيرا ولا يحبون سياساتهم وأسلوب حياتهم المنفتح. فمثلا، طالب كثير من الأمريكيين ومن داخل الكونجرس الأمريكي بتغيير اسم البطاطس المقلية المعروفة باسم "فرنش فرايز"، والتي يرجع تسميتها بسبب الطريقة الفرنسية في تقطيعها، إلى "فريدوم فرايز" أي بطاطس الحرية بعد أحداث سبتمبر تعبيرأ لغضبهم من فرنسا بسبب معارضتها لبوش الابن عندما أراد الحصول على موافقة مجلس الأمن ليشن حربه على العراق. ولا أعتقد أن كثيرا ممن طالبوا بتغيير اسم البطاطس الفرنسية يعرفون بأن أصلها بلجيكي. هذا وعندما رشح جون كيري نفسه لخوض انتخابات الرئاسة الأمريكية كان أعضاء الحزب الجمهوري وإعلامهم يصفونه بأنه "فرنسي" وكأنها صفة سيئة تقلل من شأنه وصلاحياته لحكم أقوى دولة في العالم.

قبل اعتداء بيروت الأخير كان هناك اعتداء آخر في أنقرة حيث قُتل أكثر من مئة شخص وجُرح خمسمئة على الأقل. ناهيك عن تفجيرات أخرى في باكستان ونيجيريا لم يستطع ضحاياها إثارة الإعلام أو تصدّر عناوين الأخبار رغم أن منفذّي كل تلك الاعتداءات من المسلمين.

ربما يجب أن نسأل أيضا، ولماذا سيهتم الإعلام الأمريكي وغيره بالضحايا العرب عموماً؟

هل يهتم كل الإعلام العربي بكل الضحايا العرب؟ أم هو أيضاً ينتقي من يصحّ التعاطف معه ومن لا يستحق بحسب الهوية والجنسية والمذهبية؟

هل يهتم كل نظام عربي بكل مواطن أم هو أيضا يتعاطف مع المواطن الغني والمشهور والمسنود؟

هل أبرز الإعلام العربي ضحايا تفجيرات بيروت ونشر صورهم مع زوجاتهم أو أمهاتهم أو أطفالهم قبل تقطع أشلائهم؟

هل تنتفض السفارات العربية عندما يقع مواطنها في أزمة وهو سائح في بلد ما؟

هل يصل الإعلام العربي بلغات أجنبية متعددة لأوروبا وأمريكا يشرح عن لغتنا وديننا وآثارنا وأدبنا وتراثنا وموسيقانا وبهاراتنا؟

إذا كانت الإجابة بلا على أيّ من الأسئلة أعلاه، فلا تتوقع أي تعاطف أجنبي مع الجثة العربية ولا الجريح العربي ولا تسأل هذا السؤال من أصله...

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.