المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سمر دهمش جراح Headshot

لن تكون حرّاً

تم النشر: تم التحديث:

مرحباً أنا سمر، قلت هذا وأنا أسلّم على الفتاة التى دخلت الأستديو كي نجري معها مقابلة عن رحلتها لفلسطين المحتلة. لمحت أسنانها الأمامية المميزة والتي تبدو وكأن رقم سبعة في منتصف الفك العلوي يلتقي بتناسق مع رقم سبعة في الفك السفلي فذكرتني ابتسامتها أنني قابلتها من قبل.

وأنا ديزري، ردّت عليّ وفهمت من نظرة عينيها بأنها تحاول أن تتذكر أيضا أين رأتني من قبل، فقلت لها: أنا أحاول أن أتذكر أين التقيت بك قبل الآن، هل أجريت معك مقابلة في الأستوديو هنا من قبل؟

لا، هذه أول مرة آتي فيها للأستوديو.

"سمر، هل لديك أي موسيقى لنبدأ بها البرنامج؟"، سألني زميلي في تقديم برنامجنا الإذاعي أحمد.

نعم، لدي أغنية لريم البنّا، وناولته ال سي دي وبدأ العد التنازلي لبدء البرنامج بالتزامن مع بدء أغنية ريم. وفجأة تذكرت وسألت ديزري: هل سافرت بالباص إلى واشنطن للتظاهر أيام الحرب الأخيرة على غزة؟

نعم، ولمعت عيناها، نعم تذكرتك، أنت من تحدث معنا أنا وزملائي لأنك قلت بأنك تكتبين مقالا عن الرحلة، هل كتبتيه؟

كتبته، وهو أيضا فصل في كتابي الجديد، قاطعنا أحمد، أرجوكما السكوت سنبدأ البرنامج الآن...

ديزري من ولاية فلوريدا وعمرها ٣٨ سنة وهذا بعض ما قالته لنا في المقابلة:

"ذهبت لفلسطين لأنني أشارك كدافعة للضرائب بالفظاعات التي تحدث هناك، ولأنني شعرت بأنني أساهم في بقاء الاحتلال لأننا نمول الاحتلال العسكري الاسرائيلي لفلسطين. أعتبر هذا غير قانوني، فأردت أن أذهب لأكون شاهدة على ما يفعله هذا الاحتلال وان أوثّق كل هذا وأعود به إلى أمريكا كي أتحدّث عنه".

"أول مرة سمعت فيها عن ما يجري في فلسطين كان عام ٢٠٠٨ أيام الحرب على غزة. كنت متابعة أيامها لقضايا عديدة وأول ما انتبهت للحرب على غزة وخاصة عندما شاهدت استخدام أسلحة محرمة دولياً قررت الذهاب إلى واشنطن للتظاهر ضد الحرب".

"وأنا لست الوحيدة في أمريكا التي تشعر بأن ما تفعله إسرائيل وما يتعرّض له الفلسطينيون وحشي وغير إنساني. هناك ملايين مثلي لا يوافقون بأن تذهب ضرائبهم من أجل دعم احتلال ظالم وعنيف، ولكن الإعلام لا يتحدث مع أناس مثلنا ولا يتحدث عما نشعر به من تعاطف نحو القضية الفلسطينية".

"ذهبت إلى فلسطين مرّتين، شاهدت في المرة الأولى الحواجز والجنود وفهمت معنى احتلال. لكنني أمضيت هذه المرة شهرين في مدينة الخليل لأن السبب وراء عودتي لفلسطين كان من أجل توثيق حصاد محصول الزيتون وما يحدث خلاله من مضايقات. ما إن وصلت هناك وبعد ثلاثة أيام فقط بدأ هجوم المستعمرين المسلحين علينا ومضايقتهم لنا فكانوا يلتقطون صورنا ويضعونها على بوسترات مكتوب عليها "مطلوبون" كي يمنعونا من مساعدة الفلسطينيين وكي يرهبونا. ما شاهدته هذه المرة هو الاحتلالان، لا يوجد احتلال واحد في فلسطين، هناك الاحتلال الذي يقوم به الجندي الإسرائيلي وهناك احتلال آخر يتعرض له الفلسطيني كل يوم من المستعمرين العنصريين المسلحين الذين يضايقون الفلسطينيين في كل مناحي الحياة".

"أثناء زيارتي بدأ يُقتل الفلسطينيون يوميا وبأعداد كبيرة. كل مرة نسمع بأن الفلسطيني بيده سكين رغم أنه وفي الكثير من الأحيان كان يزرع الجنود هذه السكاكين بجوار الجثث. ثم يأتي بعدها المستعمرون إلى مسرح الجريمة ويدنسون المكان ويهينون الجثة، فكيف يمكننا معرفة الحقيقة أو الوثوق بالتحقيقات؟ صراحة سماع التغطية الإعلامية هنا في أمريكا عما يجري محبط جداً".

كان صوت ديزري متهدجا وكأنها ستبكي في أي لحظة، وفي لحظات كدت خائفة بأن تفقد أعصابها وتبكي على الهواء مباشرة. سألها أحمد عن مشاعرها المتأججة فقالت: "إنه الغضب، أنا أشعر بالغضب مما يحدث ولكنني لا أؤمن بالعنف. إنني لست ضد إسرائيل بل ضد الصهيونية لأنها فكر عنصري وأنا ضد أي فكر عنصري. إنني غاضبة مما يجري في فلسطين وأريد استخدام غضبي بصناعة فيلم يروي ما شاهدته من وحشية المستعمرين. رغم أنني لم أدرس صناعة الأفلام ولا أعرف حتى كيف تتم صناعة الأفلام، ليت أحداً يساعدني في مشروعي هذا لأنها هذه الطريقة الوحيدة أمامي من أجل دعم المقاومة في فلسطين، أن أزور، وأوثّق، وأعود إلى هنا وأتحدث عن وحشية الاحتلال".

"إنني تقريبا فقيرة، أعمل، ثم أجمّع بعض المال وأحيانا أبيع أشياء أصنعها بيدي كي أجمع تكاليف السفر والإقامة في فلسطين رغم أن الإقامة غير مكلفة. باستطاعتي أن أنفق مالي على رحلات للرفاهية لكنني لا أفعل، حيث إنني أؤمن بأن لا أحد فينا في هذا العالم من الممكن له بأن يكون حرّا حتى يكون الجميع أحرارا".

"قابلت هاشم من الخليل والذي أمضى جلّ حياته يقاوم الاحتلال كما فقدت زوجته جنينين بسبب عنف المستعمرين. كنت أجري مقابلات معه وأرافقه إلى الأرض خلال قطف الزيتون وكنت أشاهد كيف يضايقه المستعمرون الذين يحملون السلاح. أصيب هاشم بسكتة قلبية ومات في نفس اليوم الذي غادرتُ فيه فلسطين. مات من الغاز المسيل للدموع لكنه عاش متمسكاً بكرامته رغم أنهم، أي المستعمرين، حاولوا المستحيل بأن يجعلوه يعيش بلا كرامة، مع ذلك، مات هاشم بكرامته".

سألها زميلي أحمد في نهاية البرنامج إن كان هناك الكثير من العرب والمسلمين يتطوعون مثلها ويذهبون لفلسطين لدعم الناس هناك، فقالت له: "لا أعرف، ولا يهمني أن أعرف، فالمهم ما أفعله أنا".

تذكرت لحظتها نداءات مقاطعة زيارة الأراضي المحتلة والقدس خوفا من التطبيع رغم وجود سفارات وأعلام وسفراء إسرائيل في عديد من العواصم التي تخرج منها نداءات مقاطعة زيارة الأراضي المحتلة، ولكن انتهى وقت البرنامج...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.