المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماح صافي Headshot

العنف الناعم

تم النشر: تم التحديث:

كانت حصة اللغة العربية هي الحصة الأولى في ذلك اليوم المدرسي، كانت آخر سنة أستطيع فيها وضع عمري على أصابع يدي الاثنتين مرة واحدة فقط.

دق الجرس معلناً بداية الدرس، دخلت مطأطئة رأسها تجر نفسها بثقل، وقالت بصوت خافت: السلام عليكم؛ ليرد بضع طالبات ممن سمعن صوتها السلام عليها، جلست على كرسيها خلف الطاولة، كنت متحمسة جداً حينها لقراءة الدرس، فقد تدربت عليه قليلاً قبل أن تدخل، ثم رفعت رأسها وسألت: مَن تقرأ الدرس؟

رُفعت الكثير من الأيدي، ولكن يدي لم تكن واحدة منهن، فلم أستطع رفع يدي يومها عندما رفعت رأسها.

كان وجهها مليئاً بالضربات، على طرف فمها جرح قد جف، وعلى وجنتها أثر كدمة حمراء بدأ لون يزرق، بعد أن انتهت الحصة تجمعت بعض الطالبات وبدأن الضحك، وكانت إحداهن جارة المعلمة، لتخبرنا بأن زوجها يضربها دائماً، وقد سمعوا صوت صراخها وهو يضربها عدة مرات، لكن لم يتدخل أحد من الجيران؛ لأنها "أسرار بيوت"، حتى وإن كان صوتها عالياً فاضحاً قد أسمع جيران البناية كلها!

في ذلك اليوم أذكر جيداً كيف عدت للمنزل، وانهلت على أمي بالأسئلة: "يعني ولا مرة؟" لتجيبني: "طبعاً ولا مرة! نختلف أنا ووالدك ككل الأزواج، ولكن ليس لدرجة أن يضربني أو يهينني".

يومها كنت أحاول أن أفهم ما هو الزواج، وما هي صلاحيات الزوج، أردت أن أعرف إن كان ضرب الزوج لزوجته أمراً عادياً أو لا، يومها وضعت حجراً إضافياً في تمثال الزواج المشوه، يومها كرهت الرجال جميعاً بنظرتي الطفولية الشاملة التي تستسهل التعميم، ويومها حتماً فقدت شيئاً كبيراً من براءتي.

البارحة أجريت بحثاً صغيراً لأقرأ الإحصاءات الجديدة في موضوع العنف ضد المرأة، لأتفاجأ بأن 17 عاماً من تلك الحادثة لم تغير الكثير، فواحدة من كل ثلاث نساء تعرضت يوماً ما لحادثة عنف جسدي أو لفظي أو جنسي أو عقلي، حسب إحصائية أجرتها منظمة الصحة العالمية WHO، أي أن 35% من النساء حول العالم تعرضن للعنف في حياتهن، وكلما اتجهت باتجاه الدول ذات الدخل المنخفض والتعليم المتدني زادت النسبة.

وللأسف هي مرتفعة في دول الشرق الأوسط أيضاً، في دول يدين معظم من فيها بدين وصى نبيه يوماً فقال: "رفقاً بالقوارير".


نسبة مخيفة جعلتني أعيد تساؤلاً خطر ببالي حين رأيت وجه معلمتي الملون بالكدمات: إذا لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يضربها فيها زوجها كما أخبرتنا زميلتي في الصف يومها، فكيف تسمح له بذلك؟! مراراً وتكراراً.

لأجد أن الإجابة تكمن في كدمات خفية خلف وجه معلمتي وغيرها ممن يصمتن في كل مرة يتعرضن فيها للإهانة والأذى، "عنف ناعم" تعرضت له كل واحدة منهن في حياتها، وتربيتها جعلتها تصمت عندما تتعرض للعنف الخشن.

همسات من هنا وهناك: "بضل زوجك لازم تتحملي"، "يعني إذا أخوكي ما مان عليكي مين بدو يمون"، وأخرى بحزم وشدة: "بدك تفضحينا عند الناس مش لازم حدا يعرف إنو بضربك"، "انت الحق عليكي لا تستفزيه"... وأعتذر فالكلمات بالعامية لكنها هكذا تقال، فلن تجدها يوماً في كتب، لكنك تجدها دوماً خلف جدران وحيطان البيوت المظلمة.

همسات مسمومة كلها تعطي حق ممارسة العنف في النهاية للذكر، وتطالب المرأة بالصبر والتحمل والسكوت.

ليس ذلك إلا وجهاً واحداً من وجوه "العنف الناعم"، الذي لن تجد إحصاءات تتحدث عن وجوده للأسف، نسبة من يتعرضن له وأشكاله، ولكنه بكل تأكيد موجود، وله وجوه كثيرة:

عندما يمنع الأهل الكثيرات من حقهن في التعليم الأساسي أو الجامعي هذا عنف ناعم، عندما توأد أحلام الكثيرات في التجربة والعمل والسفر والتأثير والتغيير فهذا عنف ناعم، عندما تُربى الأنثى لمهمة واحدة هي أن تكون زوجة وكفى هذا عنف ناعم، أن تسلب من أنثى حقها في أن تختار حياةً لنفسها هذا عنف ناعم، أن تسلب من أنثى حقها في أن تختار شريك حياتها هذا عنف ناعم، أن تربى الأنثى على أنها إنسان من الدرجة الثانية هذا عنف ناعم، أن تربى الأنثى أن صوتها وصوت عقلها عورة هذا عنف ناعم، أن تربى الأنثى على أنها "ضلع قاصر" هذا عنف ناعم.. هذا الضلع القاصر الذي عليه أن يصمت وإن كُسر عشرات المرات، هذا هو العنف الناعم في أبهى صوره.

أكتب هذه السطور في اليوم العالمي لمنع العنف ضد المرأة، وأنا واعية تماماً حساسية الكثيرين تجاه أي كلمات مثل "حرية المرأة"، "تمكين المرأة" وغيرها، فالبعض يقرأ هذه المواضيع بخوف وتوجس كبير خائفين من تحريرها لدرجة "يصعب السيطرة عليها"، من وجهة نظر البعض، وكأنها في أحاديثهم هذه فرس هائج، ولا بد من شد اللجام.

لا نريد أن نجرد المجتمع من قيمه العائلية الجميلة من احترام الأب والزوج والأخ، فهذه قيمنا الأصيلة التي ندعي أننا تربينا عليها، ونحملها غالياً في قلوبنا، لكن كما نُعلم الأنثى أن عليها "أن تحترم" من حولها وهذا واجب، فعلى من حولها "أن يحترمها" في المقابل بنفس القدر، وهذا واجب أيضاً.


كما نعلمها أن تكون زوجة صالحة تصبر على زوجها فلنعلمها بأن زوجها أيضاً لا بد أن يكون صالحاً ويصبر عليها، نعلمها أن تلقى الضرب والإهانة بصمت وخنوع ليس صلاحاً وما هو إلا ضعف وذل، ليس صلاحاً بل هو الفساد بعينه.


نعلمها أن رعاية الزوج والعائلة إحدى أسمى الغايات في هذه الحياة، ولكنها ليست الغاية الوحيدة فقط من حياتك، إلا أن أردت أنت ذلك، ومن الممكن بل والمطلوب أن يكون لحياتك معانٍ وغايات أخرى، نعلمها أن تحلم وتجد شغفاً وتشق طريقاً وتلحق حلماً، وتصنع تغييراً، وتترك أثراً.

نعلمها أنها ليست حرفاً ناقصاً أو ضلعاً قاصراً، نعلمها أن تقول "لا" و"كفى" عند اللزوم، نعلمها واجباتها، لكن لا ننسى أن نعملها حقوقها.

وعلى الرغم من أن السبب في مشكلة العنف ضد المرأة بشكل أساسي يكمن في الرجل الذي يضرب تلك المرأة في حياته ويتسلط عليها بالعنف الخشن الصريح، فإن الحل بجزء كبير منه في يد المرأة، في أن تتعلم حقوقها، وتكسر حاجز صمتها وخوفها.

ليس عجباً وجود علاقة طردية بين نسبة تعلم المجتمعات ونسبة العنف بشتى أنواعه فيها، ومنها العنف ضد المرأة، تمكين المرأة وتعليمها هو الجزء الأكبر من الحل.


وعلى الرغم من حزني العميق من أننا ما زلنا نتحدث عن هذه المشكلة وفي القرن الحادي والعشرين، فإنني كلي أمل بأن تتضاءل ظاهرة العنف ضد المرأة وتنحصر شيئاً فشيئاً، خصيصاً إذا انتبهت كل امرأة لهمسات العنف الناعم وصمّت آذانها عنها، فتلك هي أولى الكدمات الخفية والجروح العميقة التي لا أعتقد أنها بسهولة تشفى.


ولتكن كل أنثى حذرة... فوأد الإناث اليوم يأخذ أشكالاً كثيرة أخرى، وقد يكون العنف الناعم أحدها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.