المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماح صافي Headshot

أنثى لديها حلم

تم النشر: تم التحديث:

أذكر في طفولتي بأن أحد مسلسلات الرسوم المتحركة المفضلة لدي كان يحكي قصة فتاة تتظاهر طيلة الوقت بأنها صبي وتخبئ شعرها تحت القبعة لتلعب البيسبول باحتراف في فريق للأولاد.

عندما كنت صغيرة كنت دائماً أفضل أن ألعب مع الأولاد، فألعب مع فريق الأولاد كرة القدم مقابل فريق البنات، وكنت دائماً ما أرفض ارتداء الفساتين وأزعج أمي بإلحاحي الدائم لكي أقص شعري مثل شعر الأولاد، وحتى عندما كنت أذهب مع والدتي إلى متجرالألعاب لاختيار لعبة جديدة كنت أختار الألعاب الخاصة بالأولاد من شاحنات وسيارات أو حتى الرياضية ككرة القدم والسلة.

ولا أذكر بأنني اخترت في فترة وعيي يوماً لعبة "الباربي" التي تكاد لا تخلو ذكريات طفولة أي فتاة في العالم منها، وأذكر بأنني عندما اخترت أن أقتني لعبة الباربي لم أعاملها يوماً على أنها ابنتي وأنني أمها كما تفعل كل الفتيات الصغيرات، بل كانت مجرد "مودل" بالنسبة لي أستخدمها لأصمم عليها فساتين من وحي خيالي مستخدمة قطع الملابس القديمة التي سمحت لي والدتي باستخدامها وبعض الخرز والأزرار الملونة.

عندما أنظر اليوم للوراء وأحلل سر رغبتي الشديدة لأن أكون ولداَ في صغري (في وقت لم يكن لدي فيه إخوة ذكور بعد) فأجد بأن السبب وراء كل ذلك كان "طموحي"... نعم طموحي!

بالرغم من أن والدَي حفظهما الله كانا على قدرٍ عالٍ من الوعي والثقافة والعدالة وكانا دائما دافعاَ لي نحو النجاح والتميز، إلا أن المجتمع الأكبر المحيط كان مجتمعاَ ذكورياَ، يربي البنات من حولي على أنهن خلقن ليصبحن ربات منازل فقط لا أكثر أو إن أردن أن يصبحن معلمات أو طبيبات فهذه مهن مناسبة للفتيات وغيرها فلا، وأذكر جيداَ العبارة التي كان يستخدمها الكثيرمن الناس للتقليل من أهمية التعليم الجامعي والنجاح المهني للفتيات قائلين "علًقي شهادتك في المطبخ" أي أنه لا فائدة منها بعد الزواج.

هذا المجتمع نفسه هو من كان يعطي الميزات للأولاد على البنات، فالأولاد يستطيعون أن يتأخروا في اللعب في الحديقة بعد غروب الشمس بينما البنات لا، والأولاد لهم الحرية إن أرادوا أن يعملوا بوظيفة صيفية ليحصلوا على مصدر دخل مستقل بينما البنات لا، والأولاد الذين أصبحوا شباناَ هم من يحق لهم أن يسافروا إلى بلد آخر سعياً وراء حلمهم بينما البنات اللاتي أصبحن شابات فلا.

كفتاة صغيرة لم أحلم يوماً بارتداء الفستان الأبيض كبقية الفتيات من عمري، بل كنت أحلم بأن أكون مذيعة مشهورة على التلفاز ويكون لي برنامجي الخاص أغني وأمثل فيه وأستقبل الضيوف المهمين وأحاورهم، وفرشاة شعري والمرآة في غرفتي تحكي لكم عشرات البرامج والقصص التي قدمتها (تخيلتها).

أذكر تلك الجلسة التي جلست فيها مع نفسي وأدركت بأنني لا ولن أستطيع أن أصبح ذكراَ... غير ممكن... مستحيل!

كانت كالصدمة بالنسبة لي، فكل أفعالي الصبيانية لم تجعلني صبياً وكل محاولاتي التنكرية لإخفاء شعري تحت قبعتي متنكرةَ كبطلتي من ذلك المسلسل الكرتوني لن تخفي أو تغير ملامح وجهي الأنثوية، عندها قررت بأن أغير الخطة:

"قررت" أن أكون "أنثى" لديها "حلم"!
كل من حولي كان يعرف عن حلمي، أهلي صديقاتي أقربائي وحتى جيراني، فكنت دائماَ ما أحكي عنه، وأسعى نحوه فأشترك في كل نشاط إذاعي مدرسي أومسرحي أو مشروع جامعي أوعمل تطوعي أو دورة متخصصة ممكن أن تقربني منه وإليه، وأذكر كثيراَ المستهزئين من حولي الذين كانوا يقولون لي "مجرد حلم" ظناَ منهم أن "الأحلام" لا تتحقق.

وكل ما كبرت أكثر كانت تتضح الصورة أمام عيني أكثر، وكان الحلم يتضج أكثر فأكثر، فلم يعد المهم بالنسبة لي أن أكون مذيعة "مشهورة" بل أصبح المهم لدي أن أكون إعلامية "مؤثرة" ، ولم أعد أرغب بالظهور أمام الكاميرا بل أصبحت أريد العمل خلفها، حيث مساحة الخلق الإبداع أكبر، وحيث يوجد السحر كله، وحيث وجدت شغفي وهواي أكثر، واتضحت لي رسالتي التي أريد أن أوصلها عبر حلمي، وهي إظهار صورة الإسلام الأجمل وتغيير هذا العالم نحو الأفضل ، حيث أكون Filmmaker"صانعة أفلام" و "صانعة للتغيير".

أكتب كلماتي اليوم وعمري لم يتجاوز ال26 عاماَ كصانعة أفلام تعمل في هذا المجال بشكل احترافي منذ 4 سنوات عملت فيها على عشرات الأفلام القصيرة والحملات الإعلانية التوعوية والبرامج التلفزيونية والفيديو كليبات، عملت فيها مع مشاهير ومؤثرين كثر من ماهر زين ويحيى حوى إلى د.سلمان العودة ود.عائض القرني والداعية الأمريكي عمر سليمان وغيرهم الكثير، وتمت استضافتي كمتحدثة في أكبر مؤتمر إسلامي في الولايات المتحدة "
MAS-ICNA" ، وقفت فيها أمام ثمانية آلاف شخص للحديث عن أحد آخر أعمالنا المسلسل الأمريكي "Inspiration" الذي يخاطب الغرب وشباب المسلمين فيه، والذي لاقى أصداءَ كبيرة وتمت ترجمته إلى أكثر من 8 لغات، ويتحدث عن مصدرالإلهام محمد عليه الصلاة والسلام بأسلوب درامي شيق.

لا أحدثكم أبداَ بلغة من وصل إلى نهاية الطريق، بل على العكس لا زلت في بداية الطريق وما زال هناك الكثير من الأحلام لتحقيقها والمشاريع لأنجزها، لكنني أكتب لأوجه رسالة لكم ولكل فتاة على وجه الخصوص، أخبركم فيها بأن مجتمعاتنا اليوم قد بدأت تتغير بحمدالله، والنظرة للفتاة الطموحة الحالمة تغيرت وأصبحت في الغالب نظرة احترام وتقدير ونظرة وعي لأهمية دورك وفاعليتك، وفي أحيان أخرى كثيرة نظرة دعم وتشجيع، ومع ذلك أجد الكثير الكثير من الفتيات ممن ليس لديهن أي "حلم" بعد!

أيتها الأنثى لستِ بحاجة لأن تكوني "ذكراَ" اليوم "لتحلمي"، ولستِ بحاجة لأن تواجهي فكر مجتمعٍ لا يؤمن بك "لتحلمي" ، كل ما أنت بحاجة له اليوم لأن تحلمي هو فقط "أن تحلمي"! تؤمني بنفسك وتدركي شغفك ورسالتك في هذه الحياة ثم أن تسعي وتسعي وتسعي نحو تحقيق حلمك... وتأكدي بأنه متى وُجِد الحُلم بداخلك وُجِدَت السُبل لتحقيقه. فالخطوة الأولى لتحقيق أي حلم هي أن تحلم!