المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماح صافي Headshot

الديتوكس الرمضاني السداسي

تم النشر: تم التحديث:

أكتب لكم اليوم لأتشارك معكم الفرحة بحلول هذا الشهر الكريم، فمرحباً بك يا "رمضان"، وهنيئاً لنا جميعاً -مَن نقرأ هذه السطور اليوم- نعمة العافية والحياة ورمضان.

منذ كنت على مقاعد المدرسة كنا نخطط أنا وصديقاتي لجدول رمضان، هذا المعسكر الروحاني المكثف أو الـBoot Camp الذي نريد أن نستغل كل لحظة فيه لأبعد الحدود.

قبل أيام جلست مع نفسي، وفكرت في ما أريد أن أفعله في هذا الشهر، فوجدت أنني ببساطة أريد أن أقوم بديتوكس Detox شامل في حياتي!
ولمن لا يعرف ما هو الـ"ديتوكس" فهو مصطلح صحي يعني أن تمنح جسدك فترة معينة تمنع فيها عنه مواد معينة غير صحية، وأحياناً سامة للجسد نستهلكها بشكل يومي دون أن ندرك، وتستمر تلك الفترة إلى أن يتخلص الجسد من السموم.

عندما فكرت بأن أقوم بـ"ديتوكس" شامل لم أقصد معناه الحرفي فقط، بل فكرت فيه في عدة مناحٍ من حياتي، فالسموم الآن في حياتنا ليست مجرد مواد غذائية معينة نستهلكها أو غازات ملوثة نستنشقها، إنما هي سموم كثيرة متغلغلة في كل نواحي حياتنا دون أن نشعر بها.
وحتى لا يطول الحديث كثيراً، لمن أراد أن يشاركني هذه التجربة، فسيكون الـ"ديتوكس" شاملاً للآتي:

1- ديتوكس اجتماعي:

نعم هو أول "ديتوكس" أعتقد أننا بحاجة إليه في هذا الشهر، وبما أن رمضان شهر اجتماعي بجدارة وتكثر فيه الجلسات والموائد الرمضانية الاجتماعية، نصيحة: غربل علاقاتك التي لا داعي لها (ولا أتحدث عن صلة الرحم هنا فهذه واجبة)، إنما أتحدث عن علاقات لا خير ولا منفعة أو حتى محبة فيها، وأحياناً قد تجلب بعضها الهم والغم من العلاقات مع من لا تجد معهم حديثاً مشتركاً من القلب أو مع أصحاب الوجهين الذين يظهرون عكس ما يكنون ويتحدثون في ظهرك حديثاً مختلفاً تماماً عما يتحدثونه في وجهك، ويتحدثون عن ملح ناقص في أطباق مائدتك، وعن تكييف معطل، أو غير موجود في صالون بيتك.

لا داعي لتلك العلاقات والمجاملات التي انتهى عصرها، اغتنم وقتك مع من تحبهم حقاً ويحبونك، من تستأنس بصحبتهم، تتعلم من روحانياتهم وأخلاقهم ونجاحهم، واستثمر المال الذي كنت ستصرفه على هذه الولائم في إطعام من هم بحاجة أكثر لها وإطعام من لا إفطار لهم، أو حتى لبحبوحة أكثر في ملابس وألعاب العيد للأطفال في أسرتك.

2- ديتوكس السوشيال ميديا:


وهو ثاني ديتوكس لهذا الشهر، وسائل التواصل الاجتماعي من يوتيوب وفيسبوك وتويتر وغيرها، أعلم أن البعض سيذهب لآخر الخط ويقاطعها تماماً، وآخرين سيذهبون لآخر الخط في الاتجاه المعاكس ويقضون معظم أوقاتهم فيها، إلا أنني شخصياً أرى فيها باباً من الخير فلن أغلقه تماماً ولكن سأتركه موارباً، صراحةً كما هو حالي بشكل يومي قبل رمضان، أدخل إليه في أوقات قصيرة محددة أكتب أحياناً، إن كان لدي كلمة خير وأصمت أحياناً أكثر وأقرأ ما فيه من خير عند أصدقائي وعند من أتابعهم، وأتابع بعض البرامج المختارة من هنا وهناك التي لا أستطيع مشاهدتها إلا من خلال هذه التطبيقات، فأنا أعيش في الولايات المتحدة، ولا يوجد لدي قنوات عربية أو حتى غربية (لدينا Netflix وأشباهه).

أعتقد أن كل شيء بقدر وتوازن لن يضر، وهنا فرصة لتقوم بـFollow لمن لديهم من الخير والحكمة والمحتوى المفيد والطاقة الإيجابية ما لديهم، ولتقوم بـUnfollow لمن هم من معارفك أو حتى من أصدقائك ممن يبثون الطاقة السلبية أو الكراهية أو مجرد مرورك بكتاباتهم يشعرك بالغثيان، كبسة واحدة (ولا أقصد كبسة سعودية وأرز، أعلم أن الصيام قد يتيح لكم بعض التهيؤات أحياناً) ستمنع عنك كل هذا، وتبقي هالتك نظيفة وطاقاتك مشحونة بالإيجابية.

وبالمناسبة أنا أضع هاتفي في رمضان وفي غير رمضان على الوضع الصامت عندما أجلس أتحدث مع غيري وخلال أوقات عملي لوحدي أو اجتماعات العمل وفي الجلسات مع الضيوف حتى لا يشتتني، وأضعه صامتاً بعيداً عني في أوقات تناول الطعام، وأضعه ليلاً على وضع الطيران خارج غرفة النوم، علماً أن معظم الـNotifications غير مفعلة في أغلب التطبيقات لدي.

3- ديتوكس العادات:

جميعنا فينا بعض العادات التي لا نحبها في أنفسنا أو نتمنى تغييرها، رمضان فرصة ممتازة لذلك، فهو شهر تربية النفس وتهذيبها، 30 يوماً بإمكانك أن تتخلص فيها من عادة سيئة فيك، وأن تسعى لاستبدالها بأخرى حسنة بكل جدارة.

وهنا أنصح بقراءة كتاب "قوة العادة" أو حتى ملخص قصير عنه يشرح فيه الكاتب سيكولوجية العادات؛ اكتسابها أو التخلص منها، ولكن باختصار لا يمكنك التخلص من عادة سيئة وانتهى، بل بإمكانك استبدال العادة السيئة بحسنة، وهذا هو الأسلوب الأفضل حسب الدراسات العلمية المطروحة في الكتاب تبعاً لقانون "دائرة العادة" أو The Habit Loop، فلن تستطيع التوقف عن شرب المشروبات الغازية مع الطعام بالتوقف عن شرب أي شيء نهائياً، بل باستبدالها بالمياه الغازية كالـPerrier وهذا مجرد مثال.

العادات قد تكون متعلقة بتعبيرك عن غضبك، أو بحركة لا تحبها تقوم بها لا شعورياً خلال حديثك، أو بعادات نومك أو نشاطك الفيزيائي أو في عملك، وهنا أطرح مثالاً حصل معي شخصياً، وهو مخجل بعض الشيء، لكن سأشاركه معكم للفائدة.

اعتدت أن أسمع من حولي في صغري يقولون (عند الغضب أو حصول شيء غير جيد أو سقوط شيء من يدهم في المطبخ أحدث فوضى) "ينعن اليهود"، و"ينعن" هي كلمة عامية مخففة عن "يلعن"، وللأسف كنت أكررها بلا وعي أو تفكير عن حدوث تلك المواقف معي، حتى سمعت نفسي وما أقول مرةً بوعي وإدراك، فغضبت غضباً شديداً من نفسي! ولماذا ألعن متبعي ديانة الله نفسه أمرنا في القرآن أن لا نسب دين أحد، ثم اتفقنا أو اختلفنا لا يجوز أن نعطي لأنفسنا الحق في اللعن أو حتى نشر صكوك الغفران فهذا شأن الله، ثم هل أرضى من جارتي اليهودية أن تقول "ينعن المسلمين!" عندما تكسر الطبق من غير قصد في مطبخها؟!

فبدأت أحاول أن أغير هذه الجملة والعادة السيئة بأن أقول "ينعن الشيطان!"، وهو أمر جائز، ثم تدرجت من هناك لأن أقول "أستغفر الله!" عند حدوث تلك الحوادث، وأتمنى أن أصل لمرحلة لا أقول فيها شيئاً.
مجرد مثال قِس عليه وغيّر ما أحببت تغييره في هذا الشهر.

4- ديتوكس قلبي:

من أكثر الأدعية التي ندعو بها في هذا الشهر "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عنا"، فما بالنا لا نحاول أن نعفو ونصفح عن أولئك الذين آذونا أو جرحونا أو تحدثوا بالسوء أو بالكذب والبهتان من خلف ظهورنا.

وليس بالضرورة أن يكون صفحك أو عفوك عنهم أن تذهب إليهم وتخبرهم قد سامحتك أو هيا نعيد العلاقات معاً، لا بل أحياناً من الأفضل أن لا ترجع تلك العلاقات المسمومة وأنا دائماً مع الفلترة والتصفية، ثم إنه ربما هم أصلاً غير مكترثين بصفحك من عدمه أو على قناعة بأنهم لم يؤذوك أصلاً، لكن أنت تطهيراً لقبلك الصافي وطمعاً بعفو من هو أكرم منا اعفُ بين نفسك وربك.

وإن كانوا ممن لا يزال أذاهم مستمراً غير متوقف في رمضان، فلا تدعُ عليهم، أنت أرقى وأفضل منهم، صدقاً أنا لا أستطيع أن أدعو بالسوء حتى على من أساء لي، ليس لأنني ملاك، لكن أنت تدعو على إنسان مهما كان أمر عظيم جداً، أكثر ما أقوله هو "ربي ارزقهم على قدر نيتهم"، وأعلم أن الله منصف.

تطهير قلبك من هذه السموم في هذا الشهر هو الهدف، فالكراهية تتعب صاحبها أولاً، فلا تكره ولا تحقد، وإن خشيت أذاهم قل "ربي اكفنيهم بما شئت وكيف شئت إنك على كل شيء قدير"، وإن ظلموك فقل "حسبي الله ونعم الوكيل" بيقين ثم ارتح، فقد سلمت أمرك لقاضي القضاة العدل الوكيل.

أرح قلبك من هذه الهموم، وركز على شعور المحبة لله ولمن حولك ممن يبادلونك الحب، وهم دائماً كثر.

5- ديتوكس صحي:

رمضان ليس شهر القطايف والمحاشي وتربية "الكروش"، بل هو شهر تسمو به عن حاجات جسدك؛ لتلبي فيه حاجات روحك، ليس لدي ما هو جديد عما سيخبركم به كل خبراء التغذية في أيام رمضان مراراً وتكراراً، ولكن أذكركم بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقيماتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".

لدي أصدقاء في أميركا غير مسلمين ومع ذلك يصومون كل عام شهر رمضان فقط للفائدة الصحية، الصيام فرصة ذهبية لديتوكس حقيقي للجسد من كل السموم، وفيه من الفوائد الصحية ما فيه فاغتنم هذه الفرصة.

وأخيراً في هذه النقطة أعلم أن ما أريد أن أقترحه هو أمر ليس مقبولاً لدى البعض، لكن جرب أن تمارس رياضة خفيفة قبل الإفطار بساعة أو ساعتين لو ليومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع؛ لتحصل على الفائدة الصحية القصوى من هذا الصوم، شخصياً خلال الأعوام الماضية جربت العديد من أنواع الرياضة خلال الساعة الأخيرة من الصيام، سواء مكثفة سريعة أو معتدلة أو رفع أوزان أو حتى مشي بسيط وتفاجأت بأن جسد الإنسان وقدرة التحمل لدينا أكبر بكثير مما نتوقع، وهنا أنصح بالتطبيق المجاني للهاتف The 7 Minute Workout تمرين السبع دقائق، جربه مرة وأعدك بأنك لن تتركه بعدها.

6- ديتوكس روحاني:

ربما توقع البعض أن أفتتح بهذا الديتوكس، وربما يعتقد البعض الآخر، بأنه قد جاء متأخراً جداً بالرغم من أنه الأولوية القصوى لنا جميعاً في هذا الشهر، لكن شخصياً لا أستطيع أن أدخل في ديتوكس روحاني دون المرور على كل أنواع الديتوكس أعلاه، عندما يكون محيطك وذهنك وقلبك وجسدك جميعها صافية من السموم، عندها فقط تستطيع أن تنتقل لمرحلة تخليص روحك من الأمراض والهموم والسموم والارتقاء بها لمرحلة تنقي فيها سريرتك وتتقرب فيها من الله سبحانه وتعالى، وترتقي إلى درجة تتذوق فيها حلاوة الإيمان والقرب من الله في هذه الأيام الفضيلة، إن أكرمنا الله بها.

كل منا له عباداته التي يحب أن يمارسها في رمضان، فيزيد في الصلاة وقراءة القرآن وفهمه، أو صلة الرحم أو الدعاء والذكر والتسبيح، أو في الصدقة للمحتاجين، وعمل الخير مع من حولنا، ومن أهلنا المستضعفين في سوريا وفلسطين وغيرها من البلاد المنكوبة، وربما تفعلها جميعها.

شخصياً لدي نقطتان أريد أن أركز فيهما هذا الشهر، بإذن الله، الخشوع في الصلاة بمحاولة استشعار كل آية وتكبيرة وتسبيحة وسجدة فيها، والنقطة الثانية مناجاة رب العالمين أكثر.

وفي النهاية، لكل منا وصفته الخاصة، كل منا يعرف الجوانب الروحانية التي يريد أن يعيشها ويقويها، وأيضاً نقاط الضعف والمعاصي والأخطاء التي يرغب بتركها والرجوع عنها، المهم أن نسعى لذلك، ولو كانت النتائج ليست وردية، المهم أن تسعى وتدعو الله بأن يتقبل منك جهدك ويرزقك القرب منه.

هذا هو الديتوكس الرمضاني السداسي الذي سأحاول أن أقوم به هذا الشهر، بإذن الله، وأدعوكم لأن تشاركوني به، إن أعجبكم وأحببتم ذلك.
رمضان أيام معدودات، وكأنه لحظات جميلة قصيرة تمضي سريعاً، فلن آخذ من أوقاتكم الثمينة أكثر مما أخذت، وسأترككم مع أمنياتي الخالصة لكم ولأهلكم وأحبابكم برمضان مبارك فيه صحة وعافية وطاعة وسعادة.
كل عام وأنتم بألف ألف خير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.