المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماح صافي Headshot

أخبرهم قبل أن يرحلوا

تم النشر: تم التحديث:

قبل فترة توفي شخصٌ لا أعرفه ولم أسمع يوماً باسمه، ولكنني بكيت عليه، دعوت له بصدق، تصدقت عنه، وشعرت بحزن داخلي سيطر عليّ يومين متتاليين.

لم أعرفه، ولكن الكثير من أصدقائي في فيسبوك عرفوه، ترحموا على روحه، دعوا له، كتبوا عنه أجمل كلمات الرثاء، كتبوا له على صفحته في فيسبوك الكثير...

تساءلت بيني وبين نفسي: هل علم هذا الشخص كم أحبه أصدقاؤه، هل علم أنه غيّر حياة فلان في ذلك الموقف، وبأن فلانة لن تنسى مساعدته لها في تلك المشكلة؟!
هل علم أن ضحكته في الصباح كانت تجعل المكتب يشرق كما قال زميله في العمل، هل علم أن كاسة السكر بالشاي، أو عفواً الشاي بالسكر التي كان يحضرها كانت ألذّ ما شربه أخوه في حياته؟!

هل علينا أن ننتظر إلى أن يرحلوا لنخبرهم ماذا كانوا يعنون لنا، ماذا تعلمنا منهم، كيف أثروا فينا، لنخبرهم... كم نحبهم!

كشعوب عربية نميل لنكون خجولين عاطفياً، نميل لإخفاء مشاعرنا، تربينا على ذلك، تربينا على "الرجال ما بتبكي"، و"التُقل صنعة" ، و"لا تدلليه بتعود"، و"لا تحكيلها كلام حلو بيكبر راسها".
وقد يبدو مثال "أبوعصام"، أحد أكثر الشخصيات المحبوبة من قبل المشاهد العربي في مسلسل "باب الحارة"، مثالاً متطرفاً على ذلك، إلا أنه قريب جداً من الواقع.

فبالرغم من أننا لسنا شعوباً باردة أو جافة عاطفياً، بل على العكس تماماً نكاد نكون الأكثر عاطفية، نفيض بالعواطف والمشاعر، إلا أننا نخبأها ونخجل من أن نعبر عنها لمن نحبهم، ولا نخبرهم...

لِمَ لا ترسلي لأخيك رسالة تخبرينه كم تحبين كلمة "خيتي" منه...
لِمَ لا تقبل يد أمك قبل ذهابك للجامعة وتخبرها بأن "سندويشة اللبنة والزعتر" هي الألذ في العالم...
لِمَ لا تتصل بزوجتك عندما خطرت ببالك وتقول لها ببساطة: "اشتقت لكِ"...
لِمَ لا تخبري زوجك بأنك فرحتي عندما مدحك بالأمس أمام أهلك...
لمَ لا تعانقي ابنك قبل ذهابه للمدرسة وتخبريه بأنه مشاكس ولكنك مشتاقة لعودته...
لمَ لا تخبر أستاذك بأنك تعلمت منه الكثير...
لمَ لا تخبري ابنة جيرانكم الصغيرة بأنك معجبة بثقتها بنفسها...
لمَ لا تخبر البائع في السوبر ماركت بأن ابتسامته جميلة وأنك تحب أن تشتري من عنده...
لمَ لا تخبري جدتك بأن هذا العيد هو الأجمل لأنها بخير بينكم...
لمَ لا تخبرهم؟!

لمَ لا تخبرهم وأنت واحدٌ منهم، ربما ترحل قبل أن يخبروك هم أنفسهم!
لمَ لا تخبرهم وهم أحق الناس بأن يعلموا ماذا تكنّ في قلبك الجميل لهم، لمَ لا تجرب أن تتحرر من قيد خجلك، أن تعبر عما في نفسك، عما بداخك، أن تسعدهم بما تكنّه نفسك من مشاعر لهم، أن تسعد قلوبهم التي لازالت تنبض...

لا تفكر في كلامي كثيراً، وأخبرهم قبل أن يرحلوا...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.