المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماح صافي Headshot

رحلتي عبر الزمن في يوم واحد!

تم النشر: تم التحديث:

samah

ربما لن يصدق البعض أن هذه الصورة ليست صورة تاريخية أُعيد تلوينها،
وليست أيضًا صورة من فيلم هوليودي يحكي عن قصة حدثت في القرن التاسع عشر!

هذه الصورة هي صورة حقيقية "اليوم" لجماعة تعيش في الولايات المتحدة الأمريكية تدعى بـ "الآمِش" Amish.

الآمش هم طائفة مسيحية متدينة انشقت عن الكنيسة في ألمانيا في العام 1840م لإيمانهم بأن الإنسان يجب أن يتم تعميده في سن العشرين عندما يقرر هو بنفسه ذلك وليس رضيعًا كما يفعل الكاثوليك، فتعرضوا للاضطهاد والهجوم وبدؤوا بالهجرة من بلادهم حيث دعاهم محافظ ولاية بينسيلفينيا الأمريكية للعيش فيها وممارسة شعائرهم وحياتهم بحُريّة كاملة، وبالفعل تم ذلك حيث يوجد اليوم في الولايات المتحدة قرابة 300 ألف آمشي.

وبعد فضولي الشديد للتعلم عنهم والذي دفعني مسبقًا للقراءة ولمشاهدة وثائقيات تحكي عنهم، زرت قبل أيام مدينة لانكستر التي يسكن فيها الآمش وتجولنا بينهم وفي حقولهم ودخلنا أحد بيوتهم. تجربة فريدة من نوعها أحب أن أشارككم ببعض تفاصيلها:

دعوني أبدأ بأن الآمش يعيشون اليوم في عام 2015 تمامًا كما عاشوا في عام 1850!

الآمش مجتمع ديني مدني زراعي تربط أفراده علاقات وأواصر اجتماعية متينة يتكافلون فيها ويرعون بعضهم البعض، وهو مجتمع منغلق جدًّا على نفسه لا يحب الاحتكاك بالآخرين على الإطلاق.

تخيل أن الآمش يعيشون حياتهم بكل تفاصيلها "بدون كهرباء"!! نعم اليوم، فالكهرباء لديهم محرمة وأي شيء له سلك يصل ما بين أي بيت آمشي بجاره يعتبر خطيئة كبيرة لأنه يشغلك عن الاهتمام بالهدف الأسمى وهو "الاتصال بالخالق" لا بالخلق كما يعتقدون، فالآمش ضد كل التطورات التكنولوجية التي نستخدمها في حياتنا اليوم ولا يستخدمون منها أي شيء، فلا إنارة (يستعملون مصابيح الزيت أو الغاز) ولا سيارات (فيتنقلون بالعربات على الخيول) ولا هواتف أرضية أو خلوية (سوى كابين هاتف خارجي في وسط المدينة يستخدمه من يحتاجه للضرورة)، بيوتهم بمنتهى البساطة تكاد تخلو من كل ما تمتلئ بها بيوتنا اليوم.

المجتمع الآمشي يأكل مما يزرع ويلبس مما يصنع، فتخيط الأم في العائلة الآمشية التي يتراوح عددها وسطيًّا بين ال8-13 فردًا ثلاثة قطع ملابس تقليدية عى الأكثر لكل منهم يبدلون بينها طيلة حياتهم.

في المجتمع الأمشي يتلقى الأطفال التعليم حتى الصف الثامن فقط ويتعلمون مناهج خاصة فيهم من رياضيات بسيطة وقراءة وكتابة باللغتين الألمانية (الأساسية لديهم) والإنجليزية، ويتعلمون الحِرف التي يحتاجونها في الحياة من خياطة وطبخ للبنات إلى نجارة وحدادة وزراعة للأولاد.

السفر في الطائرة محرم لديهم جميعًا ذكورًا وإناثًا، والفرصة الوحيدة للاختلاط بالآخر واستكشاف العالم المدني الحديث تكون عندما يبلغ الشاب أو الفتاة سن ال19 حيث لديهم تجربة ليسافروا برًّا إلى المدينة ويجربوا فيها الحياة المدنية اليومية ويركبوا السيارات ويلبسوا من المتاجر وغيرها من التجارب، وبعد سنة عليهم أن يقرروا إن أرادوا العودة إلى مجتمعهم ودينهم ليتم تعميدهم أو إن أرادو الانفصال عنهم.

الجدير بالذكر أن من بين كل 10 شباب وفتيات ممن يخوضون هذه التجربة يعود 9 للآمش وينفصل عنهم 1 فقط.

عندما تجولت بينهم شعرت بأنني في متحف حي ومباشر.. تجولت بين الماضي والحاضر.. تجولت اليوم بين عالمين واحترت، بين عالمهم البسيط "المعقد" وعالمنا "المعقد" البسيط..

ترى أينا أبسط؟!

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع