المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماح الحذيفي Headshot

وجه الشبه بين الكِتاب والإنسان

تم النشر: تم التحديث:

أؤمن أن الكتاب والإنسان كِلاهما يحتاج إلى قراءة واعية، فالقراءة هي إدراك مجموعة مشاعر، إجابة تساؤلات عقل وقلب، استيعاب معرفة، رحلة مع عِلم أو قضية أو قصة حياة، القراءة تجعلنا أكثر حساسية تجاه اللغة والكلمات، وأقدر على استخدامها لصالح النص على الورق والحوار مع البشر، وأرهف استقبالاً للإحساس بالأرواح والأماكن والجمادات والأشياء، وأكثر تخيلاً للأحداث.

إن قراءة صادقة لكتاب بين يديك تحتاج حضور حواسك الخمس كاملة، تشم رائحة الورق ويمتزج برائحة عطر يديك، وقد تتنفس عبق الأماكن التي يصفها الكتاب، تقرأ الكلمات بعين متأنية كأنها تُشاهد النص حياً، وتعيش مع أبطاله وشخوصه، تتذوق إحساس المعنى وطعم البلاغة وحلاوة رصف المشاهد، تَسمع ما بين السطور باهتمام، وتُحاور عقلك وقلبك معها، تلمس الغلاف وطيات أوراقه وتَخط بيدك تعليقات لك وللكاتب الذي أخذك في موعد معه.

رغم أنك أحياناً تتجاوز صفحات وفقرات كثيرة لكثرة التفاصيل التي لا تهمك، أو شعورك بالملل وفقدان تواصلك النفسي مع الكتاب، أو قد تختار قراءته على فترات متباعدة؛ ليبقى استمتاعك به وفهمك له مستمراً، أو قد تعود بعد فترة لمطالعته مجدداً لتنشيط ذاكرتك أو التقاط أفكاره بطريقة مختلفة، فإنك حين تمنحه وقته الكافي وحواسك فإن النتيجة هي تفاعل نفسي ووعي بالمحتوى وتغذية الفكر باقتناع وتقبل؛ ليؤثر الكتاب في روحك وعقلك وقلبك.

بينما قراءة كتاب إلكتروني من شاشة جامدة مسطحة فهي كالتواصل في العالم الافتراضي، قد تحتاج منك استخدام حاستين فقط، وربما بنصف قدراتهما الحقيقية، ستحاول جاهداً تثبيت بصرك، ومن ثم محاولة استيعاب الكلمات والشعور بها، في الواقع ستكون محروماً من متعة القراءة بحواسك وفرصة أقل للفهم والإدراك والتواصل الفكري والنفسي مع الكتاب.

قد يختلف البعض مع وجهة نظري تجاه الكتاب الإلكتروني، وهذا طبيعي جداً، ولا أجزم أنها نظرية مثبتة ومؤكدة، إنما هي رؤية وأسلوب حياة؛ لأن حواسنا الخمس التي أنعم الله بها علينا وميّزنا بها تختلف من إنسان لآخر حسب طبيعته البشرية وطريقة تواصله بها ودرجة وعيه وقدراته وعاداته ونمط حياته.

كذلك أيضاً نحن البَشر كُتب من روح ولحم ودم، نحتاج إلى أن نكون في حالة قراءة صادقة وواعية مع البشر.

وهل أجمل من حضور وتفاعل كامل حواسنا الخمس في علاقاتنا الإنسانية؟! تشم رائحة الهواء مع الآخر؛ لتشعر بطمأنينة الوجود في مساحة واحدة، ترى تعبير ملامحه وعينيه ورمشاته وحركة شفتيه وابتسامته وضجره، رؤيته بطبيعة ردود فعله الجادة والحادة واللطيفة، تسمع نبرة صوته وأسلوب كلماته شفهياً ونُطقه لإحساس ضحكته وحزنه، تتذوق الحوار والنقاش والخلاف والاختلاف والآراء وتبادل وجهات النظر معاً، وتلمس هالته عن قُرب وتشعر بطاقته الإيجابية والسلبية؛ لتكتشف تأثيرها الحقيقي والواقعي عليك.

الحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية الحديثة أفسدت تواصلنا مع البشر أمثالنا أياً كان موقعهم في حياتنا، وأصبحنا نكتفي باستخدام حاسة أو اثنتين أو ثلاث، هي طريقة تواصل ناقصة وقابلة لإطلاق الأحكام العقلية المسبقة على الآخر، وتسرع ردود الفعل الحادة، والاسترسال في التوقعات والتخمينات دون قراءة الطرف الآخر.

هذا النوع من قراءة الإنسان لا يتطلب معرفة بعلم النفس، ودراسة لتحليل الشخصية أو دراسات علمية، ببساطة هي كيمياء الروح تأتي بعفوية وبشفافية وصدق مع الإنسان حسب علاقته ودرجة تفاهمه الروحي، بينما في علاقات أخرى باختلاف مسمياتها قد تختلف الحواس التي نحتاجها للتواصل، قد تكفيك حاسة واحدة لا أكثر، وقد يُصيبك استخدام حاستين بفقدان شهيتك للكلام، البعض تكتفي منه بسماع صوته دون رؤيته، ولو سمعته ورأيته معاً زاد معدل الضِيق في قلبك، وآخر مُجرد كلماته عن بعد وتذوقها يُصيبك بالسعادة شرط ألا يقترب، وآخر قد تستنفد جهدك وطاقتك معه للتواصل بكل حواسك وتفشل لأسباب كثيرة.

هكذا كبشر نختلف فيما نراه ونسمعه ونستنشقه ونتذوقه ونلمسه؛ ليتحول من مجرد إحساس إلى شعور حقيقي، قراءتنا لكتاب كما قراءتنا للبشر هي وعي وتواصل إنساني لبعضنا البعض، نعزز فيها علاقاتنا ونستمتع ونسعد بعمقها، ونتجاوز فيها عن أي سوء فهم وخلاف يؤثر في أيام حياتنا، فإذا كنت تحرص على بشر قريبين من روحك، وإن كانوا في أقاصي الأرض، فحاول ألا تفقد تواصلك الروحي يوماً وتبني حاجزاً بعد حاجز، اجتهد من أجل أي فرصة لقراءة علاقتكم ومواقفكم وسعادتكم ومصاعبكم؛ لتكون حِصناً شفافاً يمنعك من أن تتوه أو تضل في طريق الحياة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.