المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماء علاء الدين Headshot

التزاوج مفهوم العصر

تم النشر: تم التحديث:

نحن نسير على طريق السابقين، ونتطبع بأشياء لمجرد التقليد الأعمى، غير عابئين لماذا نفعل ذلك؟ وهل هذا هو الحسن من الحياة؟ فنحن نقضي نصف حياتنا بين الطفولة والدراسة وتكوين الذات، والنصف الآخر نسعى لاختيار شريك الحياة وبناء أسرة وبيت وإنجاب أبناء.

وهل تستحق الحياة هذا العبث واللهو الذي نحن عليه؟ وخصوصاً المسألة التي تتعلق بالزواج، الجميع يسعى إلى الزواج، ولكن حقاً نسعى إلى الزواج وليس التزاوج، هناك من يتعجب ويحدث نفسه، وما الفرق بين الزواج والتزاوج؟ لذلك سأعرض عليك عزيزي القارئ الفرق بينهما، ولكن يجب أن تنصت إليَّ جيداً.

إن التزاوج هو الارتباط الذي يجمع بين الرجال والنساء بغرض الإشباع الجنسي، أما الزواج فيشمل التزاوج، ولكن له وظائف اجتماعية أخرى أكثر أهمية من التزاوج، الذي يعد وسيلة للإشباع الجنسي والتكاثر، كما أنه تتميز فيه العلاقات بأنها تكاد تكون مؤقتة في الغالب، وقد تكون عابرة، وهي في العادة لا تفرض أي التزامات أو مسؤوليات على الأطراف الداخلة فيها.

أما الزواج فيعد عند جميع شعوب العالم: "زوجان يعيشان حياة واحدة يقرها ويتقبلها أعضاء المجتمع الآخرون"، كما يتوقع منهما أن يتعاون كل منهما مع الآخر، أو يتعاونا مع بعض الأقارب الآخرين، وهنا نلفت نظرنا إلى أن علاقة الزواج ليست قائمة على الزوجين، وإنما تتخطى إلى حدود القرابة.

وهذا التعاون لتسيير دفة الأمور في الأسرة، كذلك يتوقع منهما أن ينجبا أطفالاً، بل أن يولد الأطفال يجب أن يعترف الوالدان ببنوتهماً، وأن يتكفلا بهم وبتربيتهم، كما تتميز هذه العلاقة بالاستمرارية مدى الحياة ولا تعتبر مجرد مسألة مؤقتة أو عابرة يمكن أن تنتهي بناء على رغبة أحد الطرفين.

ومن هنا يمكن أن نعرف الزواج من الناحية الثقافية الاجتماعية بـ"أنها مجموعة من الأنماط الثقافية لإقرار الأبوة وتهيئة الأساس المستقر للعناية بالأطفال وتربيتهم"، فالزواج هو بالفعل الوسيلة الثقافية الأساسية لضمان استمرار الأسرة والجماعات الأخرى القائمة على القرابة.

أما معنى الزواج في اللغة فهو "اقتران أحد الشيئين بالآخر، وازدواجهما، أي صار كل منهما زوجاً للآخر، بعد أن كان كل واحد منهما فرداً".

أما الزواج عند الفقهاء فهو "المعنى الشرعي لكل من الزواج والنكاح، هو ما يطلق على العقد الذي يعطي لكل واحد من الزوجين حق الاستمتاع بالآخر على الوجه المشروع"، وعرفه العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- بأنه "تعاقد بين رجل وامرأة يقصد به استمتاع كل منهما بالآخر، وتكوين أسرة صالحة ومجتمع مسلم"، ومن هنا نأخذ أنه لا يقصد بعقد النكاح مجرد الاستمتاع، بل يُقصد به مع ذلك معنى آخر هو تكوين الأسر الصالحة والمجتمعات السليمة.

إن الزواج هو البناء الأساسي الذي تقوم عليه الأسرة، والأسرة هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع، وهي أساس التعمير والإصلاح في الأرض، ولكن إذا نظرنا إلى واقعنا المؤلم سنجد ما يقوم به في الغالب هو التزاوج، وليس الزواج، وإن كان بعقد مدني أم شرعي.

فهناك زواج المتعة القائم على الاستمتاع مقابل مهر باهظ الثمن، والزواج التعددي الذي أصبح وسيلة مستغلة بطريقة فاسدة للتمتع الشخصي، وزواج المثليين من نفس الجنس الذي أصبح حقاً مشروعاً، وزواج الحب غير المبالي بأي دين أو ثقافة أو فكر أو بيئة أو نسب، وزواج المصالح القائم على المصلحة لا أكثر، خالٍ من مشاعر المودة والرحمة، وزواج البدل الذي يتم فيه تبادل الزوجات، بمعنى إذا أردت أن تزوج ابنتك من ابني يجب أن يتزوج ابنك من ابنتي.. وهكذا.

ولا نستطيع التغافل عن شبابنا الذين يحققون أرقاماً قياسية في مشاهدة المواقع الإباحية، وحديثهم الدائم عن الجنس، والمحاولات التي يتخطونها في الحصول عليه، ولولا خشيتهم من الله لفعلوا ذلك في الحرام، وبلا شك هناك مَن يفعل ذلك، فيأخذ الزواج بعد محاولاته البائسة في الحصول على الجنس معبراً له، فيضحى الزواج هنا حالة من التزاوج.

فمجتمعاتنا الشرقية تفتقر إلى الوعي بمفهوم الزواج والهدف منه، ولا يتحدثون مع بناتهم عن مفهومه وغرضه، ولكن عندما يحين زواج الفتاة يتحدثون عن شيء واحد، ولا داعي لذكره فالجميع يعلم.

فالمرأة التي هي نصف المجتمع، والتي تربي النصف الآخر تصبح غير مؤهلة لقيام دور المربية والمعلمة الفاضلة لأجيال المستقبل، وتظل المرأة من صغرها تسعى للزواج؛ لأنه النجاة من شبح العنوسة، وعندما تتزوج تظل تسعى إلى كيفية المحافظة على زوجها، غير عابئة بنفسها، وما هو مستوى فكرها ونضجها؟ وما هي أهميتها في هذه الحياة؟ وما الدور الذي تقوم به؟ فالزواج والتربية مواريث تتوارث عبر الأجيال، لا تحظى من العلم بشيء، والتزاوج هو مفهوم عصرنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.