المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سماء علاء الدين Headshot

لست كاملاً.. ولكن!

تم النشر: تم التحديث:

لقد بدأت البحث عن الذات والشعور بها وكيفية العبور إليها، مع طلوع الصباح وأنت جالس على هذا المقعد الخشبي تنظر إلى السماء مع فيحات من الهواء، تتساقط على روحك فتعيد لها الإحساس بالحياة، بعد يوم مرهق من العمل والحر والضغط النفسي والعصبي، مع أخذ تنهيدة فتطرح على نفسك بعض الأسئلة: ماذا فعلتُ لحياتي؟! وهل أنا راضٍ عن ذاتي حقاً؟! لماذا إذاً لا أشعر بالسلام الداخلي والرضا عنها؟!

عندما نظرت حولي وجدت أن كل فرد في هذه الحياة لا يرضى عن نفسه ويظل طوال الوقت يبحث عن هذا الرضا، ولكن يبحث عنه بطريقة غير سليمة، يسعى لكي يمتلك أشياء يطمح إليها، ولكن عندما يصل إليها لا يشعر بهذا الرضا، نحن نريد أن نمتلك كل شيء، ولكن ما لا نعلمه أن السعادة والرضا ليسا في امتلاك كل الأشياء.

تسعى تلك المرأة إلى أن تخفف من وزنها؛ حتى تصبح رشيقة وجذابة، فتلفت أنظار الرجال، وتلك أيضاً تريد أن تزيد من وزنها؛ حتى يصبح جسدها جذاباً، وهذه تريد الزواج؛ حتى لا تصبح عانساً في نظر المجتمع، وهذا يريد الزواج مرة ثانية؛ لكي ينجب الولد حتى لا يُطلق عليه لقب "أبو البنات"، وهذه تريد أن تتمرد وتخرج عن المألوف؛ حتى تشعر بأنها مختلفة عن الآخرين... وإلخ، وكل ما نريد أن نفعله في هذه الحياة ليس من أجلنا ولكن من أجل الآخرين.

نريد أن نمتلك كذا وكذا؛ حتى نتباهى أمام الآخرين، وحتى نصبح حديث الناس، نفعل أشياء حتى نكون في الصورة المجتمعية وليس من أجل أنفسنا، نعمل.. ندرس.. نتزوج؛ لأنها أشياء يفعلها الآخرون أو كما يقولون لأنها "سُنة الحياة"، لا ندرس من أجل أنفسنا ولا نعمل من أجل ذاتنا ولا نتزوج من أجل الحب.

يرهقنا طوال الوقت كيف ينظر إلينا الآخر، كيف نبدو في أعين الآخرين، ونتغافل عن رؤيتنا إلى أنفسنا، هل حقاً نقدّرها؟! هل ننظر لها بأعين الحب والإعجاب والجمال؟! لا يوجد أحد منا كاملاً، ولكن يوجد من يقدّر نفسه حقاً، من يحب عيوبه قبل مميزاته، يرضى عن نفسه، عن شكله، عن قدراته، ويستغل كل ذلك في التقدم نحو الأفضل والأحسن، ولكن مع هذا التقدم يكون الشعور بالتسامح مع النفس ينبض في كل خطوة.

التقليد الأعمى هو الذي يدفعنا إلى قتل أرواحنا بتقييدها وعدم إطلاق العنان لها؛ حتى تفكر وتبدع، تختار وترفض.. تسوقنا الموضة إليها كالقطيع دون وعي أو تفكر، نفرض على الآخرين رغبتنا ونتحكم فيهم دون إدراك إنسانيتهم في الاختيار، وقد يصل بنا الأمر إلى أن نفرض على الآخرين كيف يفكرون؟ نرسم لهم أيديولوجية محددة ولا يجوز الخروج عنها، نأسر كل ما فيهم؛ حتى يعيشوا طوال الوقت يحققون رغباتنا ويفكرون كما نريد، ومع الزمن يبدو لهم أنهم لم يفعلوا لأنفسهم شيئاً!

نشعر أحياناً بأن الالتزامات هي هذا الوحش المفترس الذي لا يرحم، يجعلنا طيلة الوقت نخشى منه، يرسم لنا مكاناً محدداً نقطن به ولا يجوز الخروج عنه، وإن خرج الفرد فسوف يفترسه، لماذا لم ندرك -نحن البشر- أن الله خلقنا أحراراً؟ لماذا نظل إذاً طيلة الوقت نستعبد غيرنا ومع ذلك نطالب بحريتنا؟! ألا يعدّ هذا تناقضاً!

يوجد بعض الأهالي الذين يتحكمون في أبنائهم ويفرضون عليهم ماذا يدرسون؟ وبمن يتزوجون؟ وكيف يعيشون؟ ويصبح الأبناء مجرَّدين من حقهم في الاختيار، ونحن لهم صامتون؛ لأنهم سبب وجودنا في هذه الحياة، وهم سبب ما نحن عليه الآن، فيجب أن نطيعهم ونردّ لهم الجميل، ولا أعلم أي جميل سوى أنهم جعلونا نسخة منهم، ولم يدركوا أنهم من قرروا أن ينجبونا ولا ذنب لنا في ذلك، هل مقابل ذلك سلب حريتنا في العيش؟!

دائماً أردد قائلةً: "من له حرية الاختيار فعليه أن يتحمل عواقب هذا الاختيار"، ولكن من ليس له هذه الحرية فمن يتحمل العواقب إذاً؟! نعم، هو أيضاً.

أريد أن نتعلم كيف نعيش من أجل أنفسنا، كيف نحبها ونصل معها إلى هذا الرضا الذي يدفعني إلى التسامح معها، أريد أن نتعلم كيف نعشق كل ما فينا من عيوب ومميزات، غير مهتمين بما يفكر فيه الآخرون وكيف ينظرون إلينا، نردد دائماً: هكذا خلقني الله، وهكذا أحب نفسي كما أبدو عليها؛ لأنني أحب خالقي، هكذا أسعى نحو الأفضل، وهكذا أستغل كل ما رُزقت به من قدرات ومواهب لتطوير ذاتي، وهكذا أعيش لنفسي حتى أكون قادراً على العطاء للآخرين، فمن يقدر أن يعطي لنفسه حقها فسيكون قادراً حتماً على العطاء للآخرين.

ويا ليتنا ندرك أن من يعيش معنا ويشاركنا تفاصيلنا ولديه حق في إنسانيته، لا تجبره على التغيير من أجلك، اعشقه كما هو، شارِكه أحلامَه وتفاصيلَه، اجعل له أملاً من خلالك أنت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.