المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سلمان بن أحمد الشعبي Headshot

إدمان الكذب

تم النشر: تم التحديث:

الكذب يعلم الجميع أنّ حكمه محرم، والكثير من الآيات دلت على تحريمه في دين الإسلام، ومنها قول الله تعالى: "قُتِلَ الخَراصُون"، أي: لعن الكذابون، ولكن للأسفِ البعض يتغاضى بصره عن حكمِ الكذب، وكأن حكمه شيءٌ قديمٌ قد علم به ونسيه، ولكنّ البعض لا يهتدي ولا يُبصر للشيء، إن قلتَ له حكمه في دينهِ؛ بل يجب عليك أن تُبين له أضرارهُ وعواقبه الوخيمة التِي قد تحرمهُ من أشياء هو في أمَسّ الحاجة لها، ليس هذا فحسب، بل البعض أصبح لا يرى الحكم في دينه شيئاً مهماً، بل يمشي على ما أدمن عليهِ وكأنه سرّ عيشه في الدّنيا، والكذب ليس مذموماً فقط في دين الإسلام، بل في معظم الأديان حول العالم؛ لأنه كلمَا زاد المرء في الكذب قلّت قيمته في المجتمع.

إن صور الكذبِ كثيرة، ومن أبرزها كذب الأب على ابنه، وكأنهُ يقول لابنه كن كأبيك كاذباً كما عرفه النّاس، وليس هذا فحسب، فقد تجد الابن يكذب على أبيه أيضاً، كما يكذب عليه أبوه، وقصتِي مع أبي طويلةٌ جداً في موضوع الكذب فقد كنت أكذبُ في صغري كثيراً، وكنتُ أتذوقُ منه ضرباً مبرحاً؛ لأنه يكرهُ من يكذب أو يكذبُ عليه، فشكراً من الأعماقِ يا أبي، ولهذا عزيزي الأب وعزيزتي الأم إن لم تكونا قدوةً حسنةً لأبنائكما فمن سيكون؟

وبما أن الكذب والنفاق والخداع والغش لها نفس المعنى، وهو إظهار خلاف الحقيقة، ففي صغري كان لدي صديقٌ يدرس معي، وكان لا يغش أبداً في الاختبارات، وفي يومٍ من الأيام جاء موعدُ امتحان، وكان معظمنا قد أكمل الإجابات، ولكن بالغش من بعضنا البعض، وكان يجلس بجواري صديقي الذي لا يغش أبداً، وكان قد أكمل حل كل الأسئلة، وقد تبقى لهُ سؤال واحد، وأنا كنت قد حللته، فقربتُ له ورقتي، ولكن لم ينظر إليها، وبعد أن ظهرت النتائج كنا جميعنا قد تم إنقاصنا بعضاً من الدرجات إلّا صديقي الذي لم يغش فقد حصل على الدرجة الكاملة على عكسنَا، فسألته ماذا فعلت في السؤالِ الذي لم تحلّه؟! فقال لي: لقد كتبت إجابة من عقلي وصادفت أن كانت صحيحة، وهذا يثبت أن للكذب عقوبات في الدنيا بغض النظر عن العذاب الذي ستلقاه في الآخرة.

إن مدمن الكذب دائماً تجدهُ يكسب ماله من كذب، وينجح في حياتهِ أيضاً بالكذب، وإن فعلَ مشكلةً ينجو كذلك منها بالكذب، فحياته يملؤها الكذب من كل جوانبها، والنّاس التي تتعرفُ على كذبه تتخلى عنه ويصبح في أعينهم كاذباً، ولو صدق بقولٍ من أقواله، وقد صدق رسول الهدى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

الغريب في مدمن الكذب أنه لا يهتم إن عرف كل الناس من حوله أنه كاذب، ولكن السؤال هنا: هل سيهتم وقد علم أنه سيكون كاذباً عند خالق الناس ويُكتب ذلك عليه حتى يموت؟

فيا من تكسبُ الأموال ثم تنجو، وتغش ثم تنجح، وتخدع ثم تكسب، وتنافق ثم تغير صورتك، مهما ظننت أنك أذكى ممن تمكنت منهم، فإنك لست بأذكى ممن خلقهم، وسوف تتألم بمقدار كل حركةٍ تحرك بهِ لسانك كذباً عليهم وبمقدار كلّ نفسٍ تألمت بسببك.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.