المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سلمى عزت  Headshot

لماذا أكتب؟

تم النشر: تم التحديث:

كنت شاردة جدًّا، لا أفهمُ الحياة.. لا الموت ولا الميلاد، تُباغتني الكثير من المعاني التي لم أدركها أصلًا، وأُحس غموض كل شيء يبتلعني، ولا أملك أي إجاباتٍ تُخرس الضجيج البائس بداخلي.

حتى حينما سُئلت عن الأسئلة التي أبحث لها عن إجابة لم أستطع صياغة السؤال، وكان البكاء هو أبلغ الكلام..
ما هو الكلام؟! حتى هذا بات غريبًا مُبهمًا أخاف من فضولي فيه كما يُرعبني زهدي التام فيه.

سألني أحدهم ـ وبالأصل صفعني ـ كتبت سابقًا أنك تكتبين لتعيشي، لماذا كففتِ عن النشر؟ وربما الكتابة؟ لا.. بل خبريني حقيقةً لماذا كنت تكتبين أصلًا؟

صمتُّ صمت المارين في الطرقات، الهائمين على وجوههم الباحثين عن شيء لا يعرفونه تمامًا ولا يجهلونه مطلقاً، كان لساني عاجزًا أحسست لو أن الكلمات تخونني في وقت احتياجي لها وتذكرت:

"ن * والقلم وما يسطرون"
قرآن كريم - سورة القلم 1-2

قال أبي: لا يُقسم الله إلا بعظيم. صغيرة كنت أرددها كثيرًا، وتمنيت لو أملك قلمًا وأسطُر.. لا أعلم تحديدًا ماذا سأكتب، لكني أعلم لمَ كغاية بعيدة؛ أن أسطُر العظيم الذي يُقسم الله به وأجِد إجابةً على الأسئلة.. أو أوجد الأسئلة. كانت كلها أسئلتي وقتها، بتفكير نرجسيّ جدًّا كنت أريد فقط أن أكتُب.

في الصف الثاني الابتدائي تعرفت على صديقة يمنية، كانت تُحضر لي هدايا كثيرة جدًّا، وأنا عاجزة تمامًا عن إيفاء الشكر.. نظرت للقلم يومها وكتبت:
" حبي حبي لن أنساه
عشت دومًا أتمناه
حبي حبي هو صديقة
مخلصة ورقيقة
حبي حبي لن أنساه"..

لم أخجل من ركاكة أحرفي، ما حيلة من عاهد نفسه ألا يكتُب إلا ما أحسَّ به؟

ـ في وقت الحرب على غزة 2008، لم أكن أدري أتحررت من نرجسيتي في الكتابة أم أنّ هذا كل النرجسية؟ إذ قررت أنّي سأبعث بكثير مما أكتُب في "أجندة يومياتي" إلى مسابقة في المدرسة، إلى الجرائد، وراسلت بعض المجلات كي ينشروا لي عن همّي الذي اعتقدته ذاتيًّا حول غزة والمقدس، عن فقدان الهوية واستعرتُ اسم "قُدس".. لم أُتابع ما نُشر. غير أنّي كنت أكتب وأرسل وأكتب وأرسل.. مؤمنة أن لديّ شيئاً ما لأقوله قد لا يقوله غيري! وقد يقوله لكني أُخبره بطريقة أخرى أؤكد المعنى وأُرسخه.

وهكذا.. أحببتُ هذا وصار أمتع ما أجد فيه ذاتي ولأنّ العالم يسكنني فإني سأفهم العالم إن فهمت ذاتي، ولن يُفزعني وجودي فيه الذي يزيد من غرابتي وغُربتي.. وصرتُ أكتب وأكتب، لأرى ثِقَل روحي في كلماتٍ مكتوبة وأفهم تحديدًا ما يجول بخاطري وأرتبه، عل شخص يُمر مرورًا عابرًا فيُرتب حديثي دواخله، أُخبر عن مزق الأمة الكثير، والذي هو بالأصل مزق دواخلنا، أو لأُخبر عما عرَفتُه وقابلته في الطريق أو تعثرت بسببه لمس قلبي وربّت عليه أو أثار فيّ شغفي، أوجد للاشيء معنى أو عثر على الشيء، وأخبر حتى عما تمنيتُ يومًا أن أعرفه.

غرقتُ فيه جدًّا، وصار أمتع ما أفعل وأنا أُحاول البحث عن معنى الحياة أن أعيش بها، ولما كانت القراءة عيشًا، فالكتابةُ لديّ أن أعيش اللحظات طويلًا طويلًا، فأنا أُخزن ما أقرأ وأكتُب إسقاطات عقلي له وأعيش التجارب وأُسجل ما وصلت له، وأركض وراء أحلامي وأتشبث بالطريق للوصول إليها، وأكتُب الحقائق التي رأيتها في الطريق، فأُفاجأ أحيانًا أن هذا ليس الحلم الذي أريد.. الكتابة هي عيني وبصيرتي.

ربما لأني لم أهتم في البداية بتحديد من سيقرأ، فلم أعبأ قط إلا بحقيقة ما أكتب، وبدا مظهره كما هو مظهري دومًا تلقائيًّا وربما عشوائيًّا باحثًا عن المعنى فحسب، أحيانًا يكون هذا المعنى غامضاً شفيف وأحيانًا خفيفًا بسيطًا، كثيرًا مستهلكًا ولكنه حديثٌ جدًّا عندي. أحيانًا يتراشق بالسطحية البائسة وأخرى بالعمق.. لكن هذه أنا التي لا أخجل منها، فأنا أؤمن بكل الذوات التي تُشكل ذاتي، كل المستويات والأجزاء، ولا يُخجلني أن أُعبِّر عنها.

خفت طويلًا أن أكتب مخافة تخمة الكلمات وفضولًا للتكلم فقط، لكنّي أعود وأُخبر ليس للكتابة -أيًّا ماكان نوعهاـ مفهوم مطلق فقد تكون جميلة من رؤية، وقبيحة جدًّا من رؤية أخرى، المهم أن أكتُب ما أراه جميلًا وما ينبُع من داخلي.. أما تحديد ما تقرأ أنت فهو فعلك الاختياري.

لم تخُني الكلمات ربما أنا من خُنتها.. لأني أُريدها بشدّة
سأكتُب مجددًا ما استطعت لهذا سبيلًا.
لأن القلم هو ما أقوى على حملِه أنا، وإن لم يكُن منمقًا جيدًا سيظل يسطر حتى يكون.
وأنت.. كيف ستعيش الآن ريثما تجد معنى للحياة؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.