المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Sally Elbassir Headshot

أميركا أخبرتني أنّها لا تريدني... مرتين!

تم النشر: تم التحديث:

هافينغتون بوست عربي - ترجمة

ما زلت أذكر الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. كنت في الحادية عشرة من عمري، واستيقظت على مكالمات هاتفية من أقرباء بعيدين يعيشون في الخارج. كنا آمنين في شقتنا بضواحي لوس أنجلوس. كنت أجلس وعيناي مثبتتان إلى شاشة التلفاز، وكانت الفكرة الوحيدة التي تجول بخاطري: من قد يفعل شيئًا مثل هذا لبلدي الحبيب؟

الأسابيع التي تلت الحادي عشر من سبتمبر/أيلول كانت مروعة. كانت أمي قد بدأت ارتداء الحجاب في العام السابق، وكلّ يوم كانت تصلنا أخبار الهجمات على المسلمين، واقتحامات الشرطة لمنازل المسلمين، والعنف ضد المسلمين. ما زلت أتذكر توسل أبي لأمي أن تخلع الحجاب، لكن بلا طائل. كنت أذهب إلى المدرسة كلٍ يوم وأنا مرعوبة، مرعوبة من أن أمي ستكون ضحية تعصّب أحدهم، وغضبه وجهله.


هذه هي حياة المسلمين في أميركا.

حتى قبل 11 سبتمبر/ أيلول، أحب والديّ تذكيرنا كثيراً بأننا عربٌ أولاً، وأميركيون ثانياً. نحن سودانيون مصريون، ويجب ألا ننسى ثقافتنا، خشية أن يجرفنا "التأثير السيء" لحفلات المدرسة، وثقافة البوب الأميركية، وموسيقى الراب. كان والداي ملتزمين بشكل مذهل، لكن الأمر كان بدافع الخوف: من أننا سنخسر ثقافتنا، والخوف أيضاً من أننا سنُعاقب بسببها.
أنا كنت المُدافعة الشرسة عن الثقافة الأميركية. أميركا هي التي سمحت لي بأن أصير الشخص العنيد الذي أنا عليه اليوم (أكدّر أبي وأمي، ويفتخرون بي).

تقول مادلين ألبرايت "لقد استغرقت وقتاً طويلاً جداً لأكتسب صوتاً. والآن إذ أمتلك واحداً، لن أكون صامتة".

رغم أني لم أكذب أبداً بشأن ديني أو ثقافتي، نشأت على أن أخفيها تحت الأغطية قدر ما أستطيع. أبي كانت لديه فلسفة مُسالمة، أنّه ينبغي علينا خفض رؤوسنا والمضي قدماً، وكنت معه (وإن كان دافعي الخوف).
كانت 7 أعوامٍ تقريباً قد مضت منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول عندما التحقت بالجامعة. لم أعد خائفة من إخبار الناس أنّي مُسلمة. كانت ثمة بعض جرائم الكراهية هنا وهناك، لكن العاطفة المعادية للمسلمين كانت قد انتهت بشكلٍ كبير. أو هكذا ظننت بتفكيرٍ مثالي.

في عام 2015، ازدادت جرائم الكراهية ضد المسلمين بنسبة 78% بالمقارنة مع عام 2014. ثمانية وسبعين بالمائة. وجرائم الكراهية الموجّهة للعرب ازدادت بنسبة أعلى، 219%. أعلن ترامب ترشحه رسميًا للرئاسة في يونيو/حزيران 2015. لكن الخطاب المعادي للمسلمين بدأ قبل ذلك بوقتٍ طويل. على الرغم من ذلك، لا ألومه كلياً،؛ الإعلام دعمه. الإعلام لم يتوقّف عن تسمية المسلمين بالإرهابيين. فعلوها في كل مناسبة وكل فرصة. الإعلام يُخبرنا أن كل المسلمين إرهابيون، وكل المكسيكيين مهاجرون غير شرعيين، وكل الأفارقة الأميركيين رجال عصابات. أتعلمون؟ الناس تصدّق الإعلام. الناس الذين يعيشون في مدنٍ متجانسة، حيثُ لا يتفاعلون مع المسلمين، يلجأون إلى الإعلام من أجل "التعليم". أو ربما هي حالة من الانحياز التأكيدي؛ إذ أن الإعلام يدعم أيديولوجيات يؤمن بها الناس بالفعل.

اليوم، أنا في الحادية عشرة من عمري مجددًا، أنتفض خوفًا على سلامة أمي - وسلامة المجتمع الأميركي المسلم بأكمله.

يحبّ الناس القول بأننا نعيش في مجتمع ما بعد العنصرية. هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. دونالد ترامب، المتعصب عرقياً والمؤمن بالتميز الجنسي، انتُخب رئيسًا للولايات المتحدة. عندما أنظر إلى استطلاعات الرأي لمغادري المقار الانتخابية، لم يُؤيد ترامب سكان الأرياف وحسب. لقد حاز على أصوات 50% من البيض خريجي الجامعات كذلك. "الأغلبية الصامتة" بقيت صامتة حتى يوم الانتخابات، وهكذا أصبح دونالد ترامب الرئيس.

أشعر بخيبة الأمل من أميركا الريفية بالطبع، لكنها كانت هدف ترامب الرئيسي. أكثر ما يخيفني هو معرفة أنّ السكان البيض خريجي الجامعات - هؤلاء الذين لا يعملون في صناعات محتضرة في ريف الولايات المتحدة على الأغلب - صوتوا له كذلك. يمكنني أن أقول، بيقينٍ تام، إن بعض أصدقائي القريبين أو أحبائي صوتوا له. لا أعرف من منهم، لكن في عقلي، لا يمكنني الاستمرار في هذه الصداقات.

ليس الأمر متعلّقًا بالسياسة. لم يكن متعلّقًأ أبدًا بالسياسة. لم يكُن هذا عن رفع الضرائب أو تقليلها. لم يكن عن أوباما كير. لم يكن حتى عن الإجهاض أو السياسة الخارجية. كل شخصٍ صوت لترامب دعم برنامجاً من معاداة الهجرة، والتمييز الجنسي، والعنصرية، والكراهية. لقد أخبروني للتو أن حياتي وحياة الملايين من الأميركيين لا تهم. بالتصويت لترامب، أعلنوا أن حيوات البيض هي كل ما يهم. وليس أن حيوات السود تهمّ، أو كل حياةٍ تهم. حياة البيض تهمّ. لأنهم من خلال التصويت لشخصٍ دعمته جماعة كو كلوكس كلان العنصرية، وأهان كل جماعة عرقية ودينية، وأهان النساء والمحاربين القدامى، أظهروا للعالم أن جعل أميركا عظيمة مرة أخرى يعني تطهيرها من نصف سكانها تقريباً.
اليوم، لا أشعر بأنّني آمنة، أو مرّحب بي في البلد التي سمّيتها وطني طوال حياتي. أبواي، وعائلتي، وأصدقائي لا يشعرون بأنّهم في أمان. وأنا واثقة أن الأقليات الأخرى، وكل مجتمع المثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسياً، وعدد هائل من النساء، كلهم لا يشعرون بالأمان.
ربما غداً. أو الأسبوع المقبل. ربما الشهر القادم. ربما حينها سنشعر بالقوة لنلملم أجزاءنا المبعثرة ونقاتل. ليس اليوم. اليوم أنعي بلادي.

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.