المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سالم محمد بن مبارك Headshot

على هامش الأزمة في اليمن!

تم النشر: تم التحديث:

لتكن البداية من آخر المواضع التي حلت فيها الأزمة اليمنية ووضعت رحالها، ففي الأسبابيع القليلة الماضية كان هناك اتفاق ومبادرة. أما الاتفاق فكان في العاصمة اليمنية صنعاء بين طرفين من أطراف النزاع، وإن شئت فقل خصمين من أمراء الحروب في اليمن؛ فرقتهما الدماء والحروب بالأمس، لتجمع بينهما السلطة والانتهازية اليوم.

ست حروب طاحنة راح ضحيتها آلاف الجنود والمدنيين قتلى وجرحى وشُرد مثلهم وأضعافهم، كل هذا الركام من الأشلاء، وتلك الأنهار من الدماء، وذلكم الخراب والدمار، اجتازه الطرفان بجرة قلم، بعد أن خلعا عنهما كل المبادئ، وانسلخا من كل القيم، في أبشع صور التخلي عن الآدمية، ودون أي مبالاة بالدماء، أو اكتراث للضحايا، أو مراعاة لحياة مئات الآلف التي دُمرت. لقد خاض الأول منهما -المخلوع- عندما كان على رأس السلطة، ضد الآخر -الحوثي- حروب متعددة فقد الأخير فيها أباه وأخاه المؤسس للجماعة، ناهيك عن مئات من التابعين لأمره، فقد كان يقود تمرداً سياسياً فهو يرى أنه الأولى بالحكم لا لكفاءته أو لرقي مستواه التعليمي -حاشى لله- فهو لم يتجاوز الثانوي أصلاً، وإنما لجيناته الوراثية التي أصطفاه الله بها ليكون السيد الحاكم بأمره.

ينص الاتفاق بين شركاء اليوم مجرمي الأمس، على إنشاء مجلس سياسي أعلى لإدارة البلاد التي لم يتبق منها جراء حكم الأول ثلاثة وثلاثين عاماً، وحروب الأخير المتعاقبة، سوى الدمار والفقر والمرض والموت الذي يلاحق اليمنيين بسبب تردي الأوضاع الإنسانية والمعيشية. وقد صدر عن مبعوث الأمم المتحدة لليمن مشكوراً قول وفعل..

أما القول فقد صرح أن هذا الاتفاق يشكل خطراً على محادثات السلام الجارية بالكويت. وأما الفعل فقد مدد مهلة المفاوضات أسبوعا آخر، بعد مفاوضات مارثونية دامت لأكثر من ثلاثة أشهر، لم تسفر إلا عن زيادة في آلام وأوجاع اليمنيين، حيث قتل من قتل، وجرح من جرح، جراء المعارك المتواصلة، والقصف الوحشي للحوثي-صالح على المدنيين، ومن نجا من هذا أو ذاك وقع فيما هو أسوأ، فهو يرزح تحت وطأة أوضاع لاإنسانية قاسية، تصبح فيها الحاجات الأساسية للحياة أماني وأحلاماً، وكل هذا بالطبع لا يعني لولد الشيخ وأممه المتحدة شيء، ولا يهز لهم شعره، أو يرمش لهم جفن.

أما المبادرة فقد تقدم بها ولد الشيخ وتستند إلى قرار الأمم المتحدة 2216، وتنص على تسليم الحوثيين للسلاح الثقيل، والإنسحاب من بعض المدن، والإفراج عن المعتقلين، وإلغاء كل القرارات المترتبة على انقلاب 21 سبتمبر الذي قاده الحوثيون.

وافقت شرعية الرياض على المبادرة، وأعلن الحوثيون رفضها مباشرة، فقد ولدت ميتة وتمخض ولد الشيخ بعد تسعة أشهر تقريباً من بعثته لليمن فولد فأراً ولكن ميتاً. وقد سبقت المبادرة مبادرات من أبرزها "المبادرة الخليجية"، وتقدم الاتفاق اتفاقات كان آخرها اتفاق "السلم والشراكة" بين الشرعية والحوثيين. فلا ينقص اليمن مبادرات ولا يحتاج إلى اتفاقات، فلا الحوثي يلتزم، ولا الأمم المتحدة تُلزم، ولا الشرعية تعاقب، ومن آمن العقوبة.. أساء الأدب.

فالمخلوع مُمثلاً بحزبه المؤتمر مراوغ، ويعتمد دائماً على إدخال الأطراف الدولية والإقليمية، وذلك لابتزاز دول الإقليم مادياً وفي المقدمه السعودية، والمتاجرة بقضايا اليمنيين دولياً، بالأضافة إلى إطالة أمد التفاوض، وتعقيد المشهد، وصولاً إلى ضرب الأطراف ببعضها البعض؛ فهذه هي عادته منذ أن تولى السلطة؛ وطبعا لا يمكن أن ننسى أو نغفل الدور المحوري لكبرى أحزاب المعارضة والتي تتماهى وتتقن معه اللعبة جيداً.

أما الحوثيون فأبرز ما يستمدون منه قوتهم، تخاذل لشرعية وضعف أداء حكوماتها الثلاث، فقد تمددت الحركة بسرعة على الأرض، ثم سيطرت على المعسكرات والمحافظات واحدة تلو الأخرى، وصولاً للعاصمة صنعاء يجرون في ذيولهم الموت والدمار؛ والشرعية لم تحرك ساكناً. فالحوثي الذي وقع أكثر من خمسة عشر اتفاقاً، لم يلتزم بواحد منها، ببساطة لأن أمره ليس في يده، وقراره لا يأتي من رأسه.

وفي كل مرة يقدم فيها الحوثيون مبرراتهم الواهية لخرق الاتفاقات، تهديهم الشرعية ومن معها، اتفاقاً أو مبادرة جديدة لينتهكوها وهكذا، كما حصل يوم وصلوهم للعاصمة صنعاء فقد كانت الشرعية بانتظارهم لتمنحهم الغطاء السياسي الذي يمسحون به كافة ممارساتهم وجرائمهم السابقة باسم اتفاق "السلم والشراكة"، ليبتلع به الحوثي-صالح بعد ذلك ما تبقى من الدولة.

وهنا يقدم المشير عبدربه منصورعقل المارشال وقلب الأسد نموذجاً في الاستبسال والدفاع، فيفر إلى عدن ثم إلى المكلأ ومنها إلى عُمان وصولاً إلى المملكة العربية السعودية يجر الحوثيون في ذيوله ومعهم الدمار والخراب. وقد مضى عامان منذ أن أُخرج فخامة المشير، وأخرج الشعب معه بخفي حنين، وليعود الشعب وحيداً من حيث بدأ، ولكن هذه المرة في الكويت.

فالشرعية متخاذلة منذ البداية إذا أحسنّا الظن بها وبمن فيها، فرأس الشرعية كان نائباً للمخلوع خمسة عشر عاماً، ولا يعرف عنه حزم ولا ربط، وعندما وعد المخلوع بتسليم السلطة لأيدي أمينه وآمنة، سلمها له ولم يرتض سواه، وظل الرئيس عبدربه ورؤساء حكوماته الحالي والسابق، والذي قبلهما وأغلب الوزراء والقيادات في حزب المخلوع وتحت قيادته حتى الساعة. فلماذا لا يُحل حزب المخلوع المؤتمر كما فعلت بقية دول الربيع العربي بالأحزاب الحاكمه؟! ولاسيما وهو المظلة التي يمارس تحتها المخلوع فساده وقتله لليمنيين ووأد مستقبلهم.

ولماذا لا يزال الرئيس الشرعي ورئيس الحكومة ووزراء وقيادات الشرعية في هذا الحزب وتحت قيادة المخلوع؟! ولماذا لا تقوم الحكومة بدور فاعل في السياسية الخارجية؟! ولماذا هي لا تقوم بدورها في تأمين المناطق المحررة؟! ولماذا لا تقوم بواجبها نحو شعبها في تلك المناطق؟! ولماذا لا تعود لبلدها بدلاً من العيش في المنفى؟! هذه الأسئلة وغيرها لن تجد لها إجابة، لأنها وللأسف لا تعني الشرعية ومن فيها، فهم يعيشون في الرياض، والذي يعنيهم هو الريال.

وأما الأمم المتحدة فلم يحصل اليمنيون منها إلا على إطالة أمد الصراع والنزاع الذي يدفعون فاتورته من دماء أبنائهم ونسائهم وعلى حساب مستقبلهم. فالأمم المتحدة لا تحل نزاعاً، ولا تفض اشتباكاً، ولا تسمن ولا تغني من جوع، والتجربة خير برهان. فبالأمس القريب كانت المباردة الخليجية وكان جمال بنعمر مبعوثاً لها، والذي لعب دوراً كبيراً في تمكين انقلاب الحوثيين أوضح من الشمس في رابعة النهار، ثم جاء المبعوث الثاني ولد الشيخ ليواصل ما ابتدأه زميله. فالأمم المتحدة لا تحل قضية، ولا تنصر مظلوم، ولا تأخذ على يد ظالم، ولا تسمع لجريح، ولا تأبه بمكلوم، ولا تغيث منكوب، ولا تقتص لمقتول، ومن يعلق عليها آمال بعد كل هذا.. فهو كطالب في الماء جذوة نار.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.