المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح أبو ناصر Headshot

الأمن القومي التركي بعد نصف عام من إحباط المحاولة الانقلابية

تم النشر: تم التحديث:

شكَّل صمود الديمقراطية التركية أمام الآلة العسكرية في ليلة 15 يوليو/تموز من العام الفائت فرصة قوية لدى لصانع القرار التركي لإعادة تعريف تركيا من جديد وبرمجة أولوياتها الداخلية في صياغة نظام سياسي معاصر يتناسب مع حجم تركيا المعاصرة، فضلاً عن امتلاك غطاء قوي لاجتثاث عناصر التنظيم الموازي من الأجهزة الحكومية، إضافة إلى انتهاء فصول خضوع الجيش لصالح الهندسة السياسية في عقل الدولة،

بدلاً من إخضاعها لهيمنته بضمانة شعبية تكفل حماية العملية الديمقراطية، وساعد إحباط الانقلاب العقل التركي في تحريك السياسة الخارجية نحو تصور جيوسياسي جديد يتماشى مع القوة التي اكتسبتها تركيا "العدالة والتنمية"، والتي أثبتت قوة مناعتها في اجتيازها لمرحلة كسر الانقلاب العسكري وملاحقة فلوله.

في الوقت الذي تسعى فيه القوى المعادية للصعود التركي والمنزعجة من إحباط المحاولة الانقلابية بفرض طوق جغرافي صلب على حدودها الجنوبية بإنشاء كيان كردي في الشمال السوري يباعد بينها وبين المشرق العربي ويبعد جغرافيا المشرق عن الجنوب الأوروبي، ثم تدعيم الميليشيات الإرهابية المدعومة إقليمياً في الشمال العراقي، ابتداء بحزب العمال الكردستاني الإرهابي، مروراً بالميليشيات الطائفية عبر منح الأول إقليم سنجار وتحويله إلى جبل قنديل ثانٍ والسماح للعصابات الطائفية بتفريغ الموصل من سكانها الأصليين، ريثما تأتي اللحظة المناسبة.

قدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تصوراً جديداً للأمن القومي التركي عندما قال إن حدود تركيا القلبية أكبر من حدودها الفيزيائية المادية البالغة 780 ألف كم، ولا يمكن حبسها ضمن هذه الحدود؛ ليتماشى هذا التعريف مع نمو الجيوبولتيك التركي على المستوى الإقليمي والدولي، ثم ينتقد أردوغان معاهدة لوزان التي رسمت حدود تركيا الحالية. بعد ذلك يقول أردوغان إن تركيا أقوى دولة في الشرق الأوسط، في إشارة واضحة لأصحاب المشاريع الأخرى في المنطقة والساعية لتمزيقها.

ويدفع التصور الجديد تركيا إلى الأمام في تحقيق مسيرتها القومية بتحولها إلى دولة محورية وفي موقع الفاعل والمؤثر بدلاً من الدولة المتأثرة والخاضعة لضغط الأزمات التي تحيط بها من حدودها مع سوريا والعراق. ويعمل على حماية الجغرافيا التركية من التقسيم بارتفاع مستويات الطموح التركي الجيوسياسي للحفاظ على أمن وسلامة القرابة الجغرافيا مع المحيط.

ولتحقيق ذلك عملت تركيا خلال هذه المدة على تبني خيارات أكثر عمقاً وفاعلية في تعاملها مع الأزمة السورية من خلال التحرك عسكرياً في الشمال السوري بتنفيذ عملية درع الفرات لمنع اهتزاز المنطقة من أي هزة جغرافيا قد تربك الإقليم برمته لو أقيمت الدولة الكردية، وربما يمتد في وقت لاحق إلى العراق لمنع حصارها من هناك ولضمان أمن وسلامة ديموغرافية الموصل وإخراج حزب العمال الكردستاني من إقليم سنجار.

وإن أسفرت الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى العراق في تحسين العلاقات التركية العراقية بتقديم ضمانات متبادلة، إلا أن الأمن القومي لا تحدده البروتوكولات، فقد قال يلدريم بعد زيارته للعراق إن تركيا ستقوم بما يلزم إن لم يخرج حزب العمال من منطقة سنجار.

ويعتمد التصور الجديد على متابعة العدو في وكره بمبدأ حماية الداخل تبدأ من الخارج واعتماد عنصر المباغتة في العمليات العسكرية ضد التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق.

ويؤمن المفهوم الجديد لتركيا إحباط مساعي الميليشيات الطائفية بتفريغ مدينة الموصل من سكانها الأصليين والذين يشكلون لأنقرة خطوطاً دفاعية لحماية أمنها القومي في العمق العراقي، وفي الشمال العراقي تواجه أنقرة مخططاً أميركياً لإبعاد حليفها مسعود بارزاني عن المشهد السياسي لصالح أحزاب كردية موالية لمشاريع إقليمية منافسة لتركيا.

وقد وصف أردوغان هذا المعترك بحرب الاستقلال الثانية وهي تشغل في خطين الأول: داخلي يهدف لتنقية الدولة من عدويها من الداخل ممثلين بالكيان الموازي وإعادة الحيوية للاقتصاد التركي لتمكين مناعته لإفشال المخطط الغربي الساعي لإضعاف تركيا من البوابة الاقتصادية، والثاني: خارجي يرمي إلى حمايتها من الخارج وهو ما لم ترضَ عنه القوى المعادية لتركيا فعملت على تجميد معركة استعادة الموصل، وتأجيل الحملة على الرقة لما بدأت عملية درع الفرات الدخول في مرحلة متقدمة من عملياتها في الشمال السوري، وكذلك تعمل هذه القوى على إبعاد الوجود العسكري التركي عن الشمال العراقي.

وفيما يتعلق بالمساعي الرامية لحل الأزمة السورية تشارك تركيا روسيا بضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية يحفظ سلامة الأمن القومي لتركيا والديموغرافي للمنطقة برمتها، بخلاف أطراف دولية أخرى لم تصل إلى مرحلة إشباع مصالحها من الحرب، فالمنظومة الغربية ما زالت ترى إمكانية استنزاف المنطقة أكثر من ذلك وأطراف أخرى ما زالت تسعى إلى تحقيق جسور جغرافية عبر سوريا.

وضمنت تركيا، عبر عملية درع الفرات، امتلاك أرصدة وافرة تمكنها من النزول إلى طاولة المفاوضات، وهي واثقة من لعب دور مؤثر فيها، وهي اليوم دولة ضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي إن صمد، ونجحت الأطراف السورية من حسم الصراع ستخرج الميليشيات القادمة من خلف الحدود.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.