المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح الشحري Headshot

بدلاً عن الاعتذار: بريطانيا تحتفل بمئوية وعد بلفور.. لماذا؟!

تم النشر: تم التحديث:

لا يهدف هذا المقال إلى التقليل من حجم الجهد الذي بذله الذين حاولوا الحصول على اعتذار من بريطانيا، ولا إلى التقليل مما يستحق جهدهم من إشادة، ولكن نهدف إلى محاولة تفسير ارتباط بريطانيا والقوى العظمى بالدولة اليهودية، الارتباط الذي جعل لهجة الرد البريطاني على طلب الاعتذار أقرب إلى التباهي بوعد بلفور منها إلى ترضية المظلومين، وهل هناك أية نبرة آسفة في القول إن وقت الاعتذار قد فات، أو إن الأحوال السياسية قد خلقت ظروفاً تاريخية ناسبت صدور مثل هذا الوعد، ما يجعل من الصعب الاعتذار عنه؟

لماذا جاء الرد البريطاني على هذا النحو؟ ولماذا لم يراعِ البريطانيون مشاعر الذين قهرهم هذا الوعد وما زال، وها هم يحتفلون بمئوية الوعد؟
التاريخ ينبئنا بأن وعد بلفور كان مصلحة لبريطانيا قبل أن يكون مصلحة يهودية.

تعالوا لنراجع التاريخ:
إن وجود دولة يهودية في الزاوية الجغرافية الواقعة جنوب شرقي البحر المتوسط يضمن انقساماً جغرافياً لأرض الوطن العربي والإسلامي، الأمر الذي يجعل وحدته بعيدة المنال، ويجعل قيام قوة منافسة للقوى العظمى فيه أمراً مستبعداً. وهكذا فهو يؤمّن رغبة إمبراطورية قديمة توارثتها أميركا وروسيا اليوم عن بريطانيا وفرنسا في السابق.

لنعد النظر إلى التاريخ:
كان فتح القسطنطينية من أعظم ما وصل إليه المسلمون في صراعهم مع العسكرية الأوروبية، وعاملاً رئيساً في تأخير سقوط الدول الإسلامية في أيدي القوى الإمبراطورية البازغة، لكن القوى الإمبراطورية استدارت حول إفريقيا في رأس الرجاء الصالح وأخضعت المحيطين الأطلسي والهندي وما وراءهما من دول كالهند وإندونيسيا وسيطرت بنفوذها وأفيونها على الصين، وفي تسابقها للالتفاف على أراضي العالم الإسلامي اكتشفت الأميركيتين.

أميركا التي ظن مكتشفوها الأوائل أنهم وصلوا للهند. ولكن تبين لهم فيما بعد أنهم قد وصلوا لما هو أغنى من الهند، وترافق عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى هذا مع التحول إلى الصناعة، حتى إذا أصبحنا في مطلع القرن التاسع عشر كانت أوروبا متفوقة مادياً بكثير على الخلافة الإسلامية، ورغم ذلك لم تجد القوى الأوروبية المتنافسة الجرأة الكافية للبدء بمهاجمة أراضي الدولة العثمانية، ولم تستطع هذه الدول الاتحاد فيما بينها ضد دولة الخلافة، وفي الحقيقة كانت هذه القوى ترجئ صراعاً بينها يهدف إلى السيطرة على ثروات أرضنا.

وبمجيء نابليون وتعاظم طموحاته، استطاع أن يحتل مصر، وحتى لا يوقظ الخلافة الغافية أعلن إسلامه في الأزهر وأصدر بياناً يتحدث فيه عن صداقته للخليفة العثماني، ولكن ذلك وإن نفعه في مصر فإنه لم ينفعه في احتلال فلسطين وسوريا، وهكذا توصل إلى ما من شأنه أن يحقق لفرنسا منفردة أن ترث أرض دولة الخلافة. توصل إلى فكرة إنشاء الكيان اليهودي، فإن من شأن إنشاء وطن لليهود في فلسطين برعاية نابليون أن يحقق لفرنسا مرادها.

وبالفعل، صدر عن نابليون بيان يدعو اليهود فيه للعودة إلى بلادهم، نداؤه تضمن عبارات مثل: "إلى ورثة فلسطين الشرعيين، نحن جيش العناية الإلهية، هبّوا للمطالبة بحقوقكم التي أجبركم القهر على التخلي عنها. إن هذه اللحظة التاريخية قد لا تتكرر.. إلخ".

وعلى أي الأحوال، فإن اليهود لم يكونوا مهيّأين للقبول، كان ثلاثة أرباعهم على حدود روسيا-بولونيا يتعرضون لتصفيات متكررة، وكان يهود الشرق قد غادروا الأندلس مع المسلمين ويحظون بتسامح المسلمين. وأما يهود الغرب، فقد كانوا اندماجيين في مجتمعاتهم ولم يكونوا في وارد التجمع السياسي؛ حتى لا يوقظوا عنصرية المسيحيين في أوروبا ضدهم.

وعلى أي الأحوال، فإن نابليون هُزم أمام بريطانيا، التي ما كانت لتسمح له بالاستئثار بوراثة العالم الإسلامي وارتد جيشه مهزوماً عن مصر بعد معارك أبو قير مع الأسطول الإنكليزي.

محمد علي باشا، القائد المحنك الذي أسس دولة عظيمة في مصر، استطاع عبر علاقاته مع فرنسا تأسيس صناعة حربية متقدمة وبناء جيش حديث، وبعد أن استجاب لطلب الخليفة العثماني تدمير الدولة السعودية الأولى، التفت إلى أهمية السيطرة على محور دمشق القدس القاهرة، ولعل هذا كان بتأثير قائد أركان حربه الفرنسي الذي تمصّر سليمان باشا الفرنساوي، فوجه ابنه إبراهيم على رأس جيش إلى سوريا وسرعان ما خضعت له الشام جميعها وأراضي الدولة العثمانية في اليونان ووصل إلى نصيبين جنوب تركيا، وبلغ من قوة بأسه أن انتصر على الأسطول العثماني، قائد الأسطول العثماني المنهزم خشي أن يعاقَب إن عاد إلى إسطنبول فانحاز إلى الأسطول المصري، وأصبح أسطول محمد علي بذلك متميزاً.

خشيت بريطانيا أن يُخضع محمد علي أرض الخلافة وتنشأ خلافة فتية مكان الإمبراطورية العجوز التي كانت الفريسة التي يتجهز الاستعماريون لوراثتها. وهنا تصرف الإنكليز بذكاء تفوقوا به على غرمائهم الفرنسيين، فقد توحدوا مع روسيا وبروسيا والنمسا وتواطأوا مع العثمانيين وتمكنوا من هزيمة الجيش المصري وتدمير أسطوله.

وهنا تظهر الوثائق البريطانية أن بالمرستون، رئيس الوزراء البريطاني، قد جعل له أهدافاً ثلاثة، أولها حصر محمد علي في مصر، وثانيها وضع قيود على حجم جيش محمد علي وتسلحه. وعليه فقد حُظر عليه العمل خارج مصر، وفرض عليه تحجيم الصناعات الحربية الداعمة لجيشه، وثالثها وهو ما نقصد الإشارة إليه هنا هو السعي لإقامة كيان سياسي عازل في فلسطين؛ لمنع تمدد محمد علي شرقاً والنفاذ من هنا إلى إضعاف الخلافة عن طريق جعل هذا الكيان ينمو تحت رعاية الإمبراطورية الإنكليزية.

وهنا التقط الفكرة اللورد شافتسبيري صهر روتشيلد وأقنعه بإقامة الكيان اليهودي، وترجمة لقناعة بالمرستون بهذه الفكرة كتب إلى قنصله في إسطنبول أن يطلب من السلطان القبول بالسماح باستيطان يهودي في فلسطين، ونصحه بأن يستميل أفراد حاشية السلطان بالرشى، التكتيك كان في إغراء السلطان بأن موافقته على الاستيطان اليهودي في فلسطين ستجذب إليه رأس المال اليهودي من أوروبا وتتيح له الاستفادة من نفوذهم السياسي لدى القوى العظمى.

بلغ من جدية هذا الموضوع أن نوقش في البرلمان الفرنسي، الذي نصح حكومته بتبني إنشاء كيان مسيحي في لبنان؛ حتى لا تنفرد بريطانيا بالمنطقة إن أقامت كياناً لليهود.

الوثائق البريطانية المشار إليها كانت عام 1840؛ أي قبل إنشاء الوكالة اليهودية وقبل وعد بلفور، وحتى قبل مؤتمر بال (عام 1897) الذي اتخذ فيه اليهود قرارهم بالعمل على إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين.

للبعض هنا أن يتساءل: لماذا لم يقم هذا الكيان سريعاً وقد تهيأت له كل الظروف؟

السبب أن اليهود أنفسهم قد احتاجوا وقتاً ليقتنعوا بما هم مقدمون عليه. يهود أميركا لم يؤيدوا. ويهود أوروبا الغربية إنما كانوا يهدفون إلى تحويل هجرات يهود أوروبا الشرقية إلى فلسطين بدلاً عن استقرارها في أوروبا الغربية، ورغم مقاومة سلاطين بني عثمان فقد استطاع اليهود عن طريق بطانة السلاطين الفاسدة فيما بعد إقامة بعض المستعمرات.

أخلص من هذا العرض للقول إن إنشاء دولة يهودية في فلسطين هو مشروع استعماري بريطاني فرنسي قبل أن يكون مشروعاً يهودياً، ولذا فكيف تعتذر بريطانيا عن وعد أقام كياناً يمنع قيام وحدة إسلامية ويرعى مصالح أميركا وأوروبا في المنطقة؟

وها أنت ذا ترى كيف كان لبنان لها حمىً مستباحاً وكيف تعتبر أجواء سوريا مراحاً لطائراتها، وكيف استمالت أكبر جيش عربي لمصادقتها، وكيف تضرب في حمام الشط بتونس، وكيف دمرت مفاعل أوزيراك الذري في العراق، وكيف تغري دولاً بأن تحالفها ضد إيران.

هل تريد بريطانيا أفضل من هذا الكيان فلماذا تعتذر؟! ولماذا تخفي رنة التباهي بوعد بلفور في ردها؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.