المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح الشحري Headshot

مارسيل خليفة في ضيافة جمهوره الإسلامي

تم النشر: تم التحديث:

مارسيل خليفة المطرب الثوري، مطرب الغناء الملتزم، خازن بيت الطرب اليساري..... المكان إسطنبول، والمناسبة حفلة انتهاء أعمال منتدى الشرق؛ حيث الشباب الذي ينحاز للمستقبل كما هو شعار الملتقى، المنتدى واضح أنه يحمل رسالة إسلامية، والممول من قطر، والمكان في إسطنبول عاصمة آخر خلافة إسلامية، والمسرح يتربع على إطلالة إسلامبولية كأنما أنت في شرفة الخليفة؛ حيث يطل من عرشه على البحار التي حوله.

الحفل يبدأ في الثامنة، والمنظم ألغى الأربعين دولاراً ثمن التذكرة والهدف نبيل إتاحة الفرصة للراحلين إلى المستقبل؛ ليتذوقوا ويرتقوا مع الشعر المغنى والموسيقى.

حضرت قبل ساعة و نصف، كم كان مثيراً تأمل الحاضرين، فتيات عامرات بالعواطف السامية في تألقها من مركز المودة البهي، الحاضرات محجبات إلا القليل، والحجاب بهن يتألق جمالاً بالاحتشام وبحلاوة الأنوثة، والأنثى هي الأنثى دائماً تهب المكان عطره وأنسه، أما الشباب فأغلبهم من لابسي (الكاجول)؛ حيث التخفف من الرسميات ولا ضرر من: بابا اسمح لي، قليل من الشباب جاء ببزته البالغة الأناقة، وهؤلاء هم منظمو الحفل، كلهم تقريباً يحملون لحاهم الأنيقة على وجوههم الصبيحة، كما هو جمهور الحركات الإسلامية وأبناؤها، الفارق البسيط أن معظمهم مر قبل حضوره على المزين (وكان قديماً لقب الحلاق)، وقد أبدع المزينون الأتراك -الذين برعوا في تزيين وجوه الخلفاء-في تهذيب اللحى ورسم حدودها مع الوجه إبداعاً جعل الوجوه الطافحة بالمستقبل والهوية الدينية لا تقل جمالاً عن وجوه عارضي الأزياء من الرجال الأوروبيين في حفلات عرضهم.

مرت الثامنة حين فتحت أبواب المسرح، المنظمون لا سيطرة لهم على الجمهور ولا على الكراسي ولا صفير كصفير حاضري مباريات كرة القدم، تأخر البدء ساعة كاملة للتأكيد على العادة التي سيحملها العرب معهم إلى المستقبل في استسخاف الوقت، بعض الصبايا جئن بأطفالهن، اعتلى المسرح ما يقرب من تسعين موسيقياً، إنه كونشرتو إسطنبول، تعال إلى حيث الفنون، اعتلى المسرح السيد وضاح خنفر، إمام متكامل المواصفات، اختطفه أحدهم وهو في الطريق لصعود منبره ليخطب الجمعة... كلام موزون، يرحب بصانعي المستقبل الذين انطلقت صافراتهم شاكرة، ترحيب بالأستاذ مرسيل و قائد الأوركسترا المايسترو اللبناني البعلبكي، وعازف البيانو البديع جداً،

ثم تعالوا إلى روح الشرق، إلى الموسيقى (كلمات الأستاذ وضاح)، بالطبع تعال إلى حيث النكهة، تعال إلى الشرق الذي تتعايش فيه الشعوب والأجناس والثقافات بروح الجيرة والود، تعال إلى حيث النكهة... أتلفت يميناً ويساراً عدد لافت من الحاضرين والحاضرات أبناء للقيادات المعروفة للحركات الإسلامية، والحجاب واللحى الجميلة تتسيدان المشهد الساعة الأولى غطتها سيمفونية لا أرقى ولا أبدع، فيها بعض جمل لحنية عربية ولا أروع، الحاضرون في منتهي التأدب والانسجام والسلطنة، تحول الجمهور الفوضوي إلى متحضر جداً بمجرد أن حرك المايسترو عصاه، مضت الساعة سريعة، وكانت هذه الوجبة من الموسيقى تكفيك سنة كامله، لكن كرم المستقبلين يزداد هناك وصلة أخرى، بعد دقائق سيظهر مارسيل نفسه ليُشجيكم بأغانيه، دقيقة وعادت الفوضي وكأنما تغير الحاضرون، هتاف لفوز المنتخب المصري في المبارة،

إسماعيل هنية يحضر مباراة المنتخب المصري؛ حيث تنقل أحداثها إلى شاشات تلفاز في ساحة الجندي المجهول بغزة، يحتشد الغزيون ليشجعوا المنتخب المصري في ساحات البث، فبيوتهم تخلو من الكهرباء، ولا بد من المولدات، وكله بسبب الحصار الثلاثي الإسرائيلي المصري العباسي على غزة، استمرت الفوضى.

قام السيد وضاح خنفر ليحث الحاضرين على الهدوء والتزام الأماكن، ويحذر من الأصوات النشاز كأصوات الهواتف، فالمغني الرقيق لا يحتمل هذا القدر من الاستفزاز، أطل مارسيل، لا أعلم إن كانت المرة الأولى التي يشهد جمهوراً كهذا، وهل كان يحلم بأن يصبح جمهوره هم هؤلاء المحجبين والمحجبات من أبناء الحركات الإسلامية، في حلم آثر الهوى أن يطولااااا مارسيل يغني لأم درويش، يا للجمال ولبهاء أمهاتنا حبيباتنا وخبزهن وقهوتهن، مبدع هو مارسيل كما هو درويش.. تلت الأغنية الفارقة الأغنية المفاجئة... مارسيل يطلب من الجمهور أن يرافقه بالغناء، القاعة تتغنى بصوت واحد والكل يبدو حافظاً للأغنية العظيمة الجميلة، ذاب المغني في أصوات الحاضرين جميعاً: مولاي.. إني ببابك قد بسطت يدي... من لي بنور منك... يا سندي... يا سلام انسجام لا حد له.. ملت عَلى ابنتي.. هل يخص مارسيل جمهوره الإسلامي بهذه الأغنية الصوفية... تحسس ابني جبهتي... هل أنت بخير؟ نعم... كان يغني لريتا محبوبة درويش اليهودية التي تركته لتقاتل الفلسطينيين مع جيش الدفاع الإسرائيلي.. وهؤلاء الحاضرون جميعاً.. هل شاركوه الغناء وهو يقول: والذي يعرف ريتا.. ينحني ويصلي لإله في العيون العسلية... نعم.... احلفي... والله العظيم... أما كان الأجدر بالجمهور أن يصفر و يقف معترضاً، أو أن يكسر العود...لا أدري... هاااا جمهور حماس مثقف وقد فهم أنه يقول لإله العيون العسلية لا لإله يسكن في العيون العسلية آه فهمت.. الحمد لله على الفهم... ومضى المغني يأسر الألباب، يهدي موسيقاه وأغانيه كما ذكر إلى من استشهد على أرض نظيفة... يا ما وَيْل الهوى... يا ما ويليييه... ضرب الخناجر ولا..... حكم النذل فيييه، جواز السفر... لم تعد أغنية الفلسطينيين بل أغنية السوريين والليبيين والمصريين المرسويين... والآن أغنية القطريين... غنوا معي مع الأوركسترا التركية قلوب الناس بيتي.. أسقطوا عني جواز السفر كبار الحاضرين يقفون انسجاماً وتحية للموسيقي ولروح الشرق ولهذا اليساري الذي أصبح جمهوره هم أبناء حماس... أبناء مشعل.. وأبناء مصالحة وأبناء مرسي الحزانى مثلي..

ماذا فعلت بنا الدنيا؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟ وهل أتينا إلى هنا واعين؟ أم وجدنا أنفسنا هنا وكنا في طريقنا مستلبين من وعينا؛ لنستشهد مع مناضلينا اليساريين على أرض نظيفة...وأي أرض لنا بقيت نظيفة؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.