المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صالح الشحري Headshot

الإعلام العربي بين المخرج وحذاء الرئيس

تم النشر: تم التحديث:

أفاض كثيرون في الحديث عن المخرج الذي افتضحت تمثيليته. من الواضح أنه كان يهدف إلى تصعيد نجوميته الصاعدة أصلاً وخلق حالة جماهيرية متعاطفة معه، خاصة أن الإدانة تتجه تلقائياً إلى النظام السوري، وتعطي أعداء النظام الكثر مزيداً من الحكايات ضده.

لماذا افتضحت هذه التمثيلية إذن؟ ألا يشيع بين الناس حكايات كثيرة مثلها حظها من الحقيقة قليل؟! ولكنها تحظى بجماهيرية تجعل من يحاول ولو من بعيد لبعيد إثارة الشبهات حولها عرضةً للشجب وما هو أكثر؟!

مضى وقت طويل حين سمعت هذه الحكاية أول مرة، وقد سمعتها حين كنت طفلاً في غزة، وتواطأ المستمعون يومها على الإشادة بالسيد خرتشوف، رئيس الاتحاد السوفييتي في نهاية الخمسينيات ومطالع الستينيات من القرن الماضي، وصاحب الحذاء الشهير، وقد سمعتها وقرأتها عدة مرات وفي مصادر كثيرة، آخرها كتاب بعنوان "أغرب شخصيات التاريخ" مطبوع في مصر العام الماضي.

والقصة تذكر أنه في أحد اجتماعات الأمم المتحدة وبحضرة رؤساء العالم ومنهم الرئيس الأميركي، قام السيد خرتشوف بخلع حذائه ورفعه عالياً ثم ضرب به الطاولة التي أمامه عدة مرات مهدداً ومتوعداً في حالة غضب واضحة، تختلف الروايات في المناسبة، فإذا كان الراوي من فلسطين قال: إن خرتشوف كان يرد على الممثل الإسرائيلي إبان مناقشة العدوان الثلاثي عام 1956، حيث اضطر الإسرائيليون وحلفاؤهم الفرنسيون والبريطانيون إلى الانسحاب، وغير الفلسطينيين يكررون هذه الحكاية، وأنها حصلت في نفس المناسبة، أو في مناسبة أزمة خليج الخنازير بين أميركا وروسيا.

ولكن المرجع الحديث يذكر مناسبة أخرى، ويضيف أن غروميكو وزير خارجية روسيا بدا غارقاً في الحياء.

الحقيقة أن المسألة رغم أنها قد سارت بها الركبان كانت غير ذلك، يروي الأستاذ لويس جريس الصحفي المصري المخضرم الذي يعتبره كثير من الصحفيين المصريين أستاذاً لهم الحكاية الصحيحة.

وقد وردت شهادته في لقاء معه أجرته الصحفية سهير حلمي، ونُشر في كتابها عش النمل.

يقول الأستاذ لويس إنه كان يجلس في شرفة الصحفيين خلال اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1959، عندما أنهى خرتشوف كلمته وعاد إلى مكانه، فوجئ الجميع أن خرتشوف يضع حذاءه على المنضدة ويحاول إصلاح فرشة الحذاء أو البحث عن مسمار يضايقه، كان واضحاً أنه يحاول إيجاد حل فوري لصناعة روسية سيئة، وسرعان ما أمطرته كاميرات التصوير بآلاف الصور التي أصبحت حديث الصحافة العالمية.

يتابع لويس أن الخبر عندما نُشر في مصر كان قد تغير تماماً؛ ليصبح مغزاه أن الرئيس السوفييتي يهدد أميركا وفي عقر دارها بالجزمة.

كان الخبر على مزاج الجماهير العربية التي كانت ترى في الاتحاد السوفييتي الحليف والنصير ضد الاستعمار الأميركي الإنكليزي الفرنسي حليف إسرائيل، ولذا فلم يحفل أحد بالتصحيح، ولو حاول التصحيح أحد فلن يجد له سامعاً بل لربما رُمي بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولعل معرفة الناس بشخصية خرتشوف جعلت الرواية قابلة للتصديق، فخرتشوف الذي فضح الممارسات الستالينية كان يتصرف بشكل قريب من تصرفات الفلاح الذي دخل المدينة لأول مرة من غير اكتراث بالأعراف الدبلوماسية.

إذن لماذا فشلت تمثيلية المخرج بايزيد بينما نجحت حكاية حذاء خرتشوف؟
إضافة لما ذكرناه عن المزاج الشعبي وشخصية الفلاح خرتشوف، فهناك أسباب أخرى، فالتمثيلية لم تكن مُحكمة، ولو أنهم ذكروا أن المخرج أدخل إلى العناية المركزة بأحد المشافي التركية، وأن زيارته ممنوعة بأمر الطبيب، وأن رحلته إلى أميركا لم تنجز بسبب الحادث، ولو تقابل الإعلام مع طبيب تركي يقول إن الحالة مطمئنة فالرصاصة قد أخطأت القلب، وأنه يتماثل للشفاء، لو حسن المخرج من السيناريو وبسط الكفّ لبعض المشاركين لربما حققت الحكاية أهدافها، فجمهور المخرج مهيَّأ لتصديق أي شيء ضد النظام في سوريا، فكيف إذا كان الأمر يتعلق باغتيال المخرج المحبوب؟!

‎رداءة التمثيل ترافقت مع تغيرات في الأحوال السياسية تجاه الوضع في سوريا، فوسائل الإعلام في تقديري لم تعُد تثيرها أحداث سوريا اليوم بقدر ما أصبحت تثيرها الحكايات التي يرويها حمد عن سوريا، بل إن وسيلة الإعلام التي تواصلت مع صديق المخرج لتنشر الفضيحة وجدت أن فضيحة المخرج أكثر إثارة لجمهورها من الفضيحة التي كانت تنتظر النظام السوري لو انتشرت تمثيلية اغتيال المخرج ، ويمكن أن نضيف إلى ذلك نجومية المخرج التي عملت ضده، فوسائل التواصل الجماهيرية اليوم أتاحت للكثيرين فرص السعي للنجومية، والمنافسة قد تقتضي أحياناً تحطيم النجوم والصعود علي أكتافهم.

أردت بإيراد قصة حذاء خرتشوف أن أقول: إن ما بدا من حرص على إظهار الحقيقة من جانب الإعلام العربي في حكاية المخرج ليس شيئاً أصيلاً في الإعلام الذي نعرفه، وإنما هي الظروف التي تنكرت للمخرج، وحتى لا آتي بأمثلة كثيرة على أكاذيب الإعلام العربي، فإنني أدعو كل أحد لمراجعة أكثر وسائل الإعلام مصداقية واستداراتها الأخيرة لتنشر في بعض القضايا أخباراً كانت تنشر عكسها فيما سبق، وذلك لأن سياسة المموِّل اقتضت ذلك، ولكن المشكلة ليست مشكلة الإعلام العربي بل مشكلة الإعلام في العالم، فحتى الإعلام الذي يعلي شأن المهنية على كل اعتبار يرفع من شأن الإثارة حتى لو جاءت هذه الإثارة على حساب الحقيقة، فقد مضى زمن طويل منذ أصبح النجاح الإعلامي يقاس بقدرته على التفوق في الفن والإثارة والإخراج، لا على أساس المصداقية ولا على قدرته على تحرير الحقيقة من أغلالها.

يروى عن مصطفى أمين وهو من أشهر مؤسسي الصحافة العربية أنه دخل يوماً إلى مؤسسة أخبار اليوم التي يرأسها ليرى أن مجلته "آخر ساعة" تنشر عنواناً كبيراً، العنوان: "عذراء الشاشة تضع بنتاً"، أطربه العنوان كثيراً وبحث عن الصحفي الذي أبدعه وكان صلاح حافظ مغموراً آنذاك ونفحه خمسين جنيهاً، وهي بعملة اليوم تساوي ألف دولار، كل هذا وهو لم يقرأ الموضوع ولم يعرف ما يحوي، ولكن العنوان حقق الإثارة المطلوبة، أما الحقيقة فلا لزوم لها في كثير من الأحيان.

قد يقول قائل وهل يتعارض نشر الحقيقة مع تحقيق إثارة تروج لها، وقد يستدل على ذلك بعنوان مقالي الذي حاولت فيه استثارة المتابع، أقول مطمئناً ربما، ولكن بشرط أن تبقى الأولوية للحقيقة، وأن تبقى هي لا الإثارة ضالة إعلاميينا.

أما إذا كان أحد ما زال يظن أن الإعلام العربي معنيّ بالحقيقة، فليتأمل معي هذا الموقف الذي ينقله الكاتب عمرو عبد السميع في كتابه بعض من ذكريات عن الصحفي أحمد بهاء الدين رحمه الله، وهنا لا بد أن أعرف بأحمد بهاء الدين فهو الصحفي المصري المحترم الذي كان منافساً لهيكل ومصطفى أمين وموسى صبري وإحسان وكان رئيساً لتحرير مجلات صباح الخير ومجلة العربي الكويتية وصحيفة الأهرام القاهرية، والذي أنا مقتنع به أنه مقارنةً بزملائه كلهم كان الأقل عداوةً مع أحد، وقل أن يذكره أحد من جيله إلا بخير، رحل الرجل عن عالمنا في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، كان أول من تصدى للكشف عن ترحيل يهود الاتحاد السوفييتي إلى فلسطين المحتلة في أواخر عهد الاتحاد السوفيتي.

وقد وصل عدد هؤلاء المهاجرين إلى حوالي نصف مليون، حين لم يجد الرجل تفاعلاً مع القضية الخطيرة التي يتابعها، وإخلاصاً منه لرسالة الإعلامي في نشر الحقيقة، قام بتحصيل تكاليف نشر إعلان عن هذه الهجرة على صفحة كاملة في الأهرام من رجال أعمال واعين، وقام بجمع توقيعات شخصيات عربية وازنة تدعو إلى تصرف عربي ودولي لمنع هذه الهجرة.. تخيل تتمة الحكاية.. لم توافق الأهرام على نشر الإعلان، بل ورفض التوقيع على الطلب صحفيون وأديب دولي مشهور وممثلون على مستوى مرموق.

فإذا قال أحد: إن إعلامنا معنيّ بالحقيقة أكثر من أي شيء آخر فلك أن تقول: لعل وعسى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.