المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سليم بعيرة  Headshot

الشعب يريد.. ألمانيا بالتحديد

تم النشر: تم التحديث:

مئات السوريون مجتمعون في مشهد ألفته أعين من تابع أخبار سوريا وأوضاعها في عامي 2011 و2012، يهتفون بأعلى أصواتهم، فيما تحاصرهم القوى الأمنية من كل حدب وصوب، في حين كاميرات الإعلام وأقلام الصحافة تتواجد لتغطية المظاهرة الشعبية.

المشهد اليوم اختلف، فالمظاهرة ليست "طيارة" في أحد أحياء دمشق أو حلب كما كانت العادة، ولا اعتصامًا في ساحات إدلب أو حمص، بل هذه المرة اتخذ السوريون محطة قطار بودابست مكانًا لتظاهرهم إثر منعهم من قبل القوى الأمنية المجرية متابعة رحلتهم في اللجوء نحو ألمانيا، مستخدمةً في بعض الأحيان القوة المفرطة.

لربما يتساءل أحدهم.. لماذا ألمانيا؟ ما الذي يدفع الإنسان أن يخاطر بنفسه وبعائلته للوصول إليها؟ وإن أردنا طرح أسئلة منطقية عن ذات الموضوع فسنجد مئات الأسئلة ومعظمها بدون إجابات.

المختصر المفيد، الشعب السوري عانى الأمرّين، ولم يلقَ في المقابل سوى تضامن خُلّبي محمّل بالذهول من هول المعاناة على المستوى العربي، وقلق واستهجان على المستوى الإقليمي والدولي.

وهنا برز دور ألمانيا في الوقت الذي يقلق فيه البعض ويستنكر به البعض الآخر، حيث سارعت للترحيب باللاجئين السوريين على أراضيها، وذلك عبر حسابات رسمية تابعة لأجهزة الحكومة في موقع التواصل الاجتماعي، أو بحملات شعبية منظمة، في الشوارع ومحطات القطارات وحتى في ملاعب كرة القدم.

في الوقت الذي يتظاهر فيه السوريون على أبوب محطة قطار بودابيست، قَدِم أعضاء من البرلمان الألماني ومنهم (آنيت غروث) للاطلاع على أوضاع هؤلاء اللاجئين، معتبرةً أن الطرق التي يتم التعامل بها معهم فيها انتهاكات لحقوق الإنسان، ولم يقتصر ذلك على أصحاب النفوذ السياسي فحسب، بل وصلت الحالة لمتطوعين ألمان من فئة الشباب قرروا أن يذهبوا إلى محطة القطار في هنغاريا ومحاولة مساعدة السوريين المفترشين للطرقات بأي وسيلة كانت.

في الوقت ذاته، احتل متطوعون ألمان -من أفراد أو عاملين في منظمات إنسانية- بشكل منظم وبأعداد كبيرة محطات القطارات الألمانية التي يأتي إليها اللاجئون، ليقدموا للقادمين بعض الأطعمة والمشروبات والمواد الأساسية للنوم وغيرها، الأمر الذي دعى الشرطة المحلية أن تنشر على حسابها على التويتر أنه هنالك ما يكفى من طعام وشراب وأن لا يأتي المواطنين الراغبين بالمساعدة بأي مواد أخرى، إذ اضطرت على سبيل المثال شرطة محطة السكك الحديدية الرئيسة في مدينة ميونيخ الألمانية إلى إغلاق المنطقة أمام المحطة وإيقاف دخول المزيد من المتطوعين والتبرعات بعد أن امتلأت القاعة بصناديق المواد الغذائية وعبوات المياه إضافة إلى ملابس وحفاضات الأطفال.

وبلغ الأمر أن بعض المتطوعين باتوا يتناوبون على حمل لافتات مكتوب عليها باللغة العربية (يوجد طعام وماء هنا) (يوجد مكان للنوم براحة) (أنتم بأمان، وصلتم لألمانيا) (أهلًا بكم في ألمانيا)، لا بل وصل الموضوع لكاتبة بعض العبارات الترحيبية بالعربية على بعض القطارات، بالإضافة لتركيب صوت ناطق بالعربية يطمئن الركاب أنهم وصلوا إلى هدفهم ألمانيا!

بالطبع ألمانيا ليست جنة، ويوجد فيها مشاكل تجاه السوريين من تأخير في الإقامات ببعض المناطق أو تأخير بالأمور اللوجستية الأخرى، وهنالك مخيمات لجوء تعرضت لهجمات عنصرية من قبل اليمين المتطرف في ألمانيا غير المرحب باللاجئين، ولكن بعد أن أصدرت الحكومة قرارًا بتوقيف العمل باتفاقية دبلن؛ مما يعني إسقاط البصمة في البلدان الأوربية الأخرى، واتخاذ قرارات بحماية المخيمات وتسهيل أمور اللاجئين بشكل أوسع، إضافة لجميع ما تم ذكره من تضامن وتعاطف من قبل الشعب كان سببًا لأن يكون هتاف السوريين في المحطة "الشعب يريد.. ألمانيا بالتحديد".

حتى الآن ما زالت هنالك مشكلة كبيرة للاجئين وهي آلية العبور من تركيا إلى اليونان ومنها إلى ألمانيا أو أي من الدول الأوربية الأخرى، وتعتبر هذه الرحلة العقبة الأكبر والأخطر في مسيرة اللجوء، إذ لا يمضي يوم دون نداء استغاثة من قارب كهربائي عطل عن العمل، أو مطاطي بدأ بالغرق في وسط البحر، وغالبًا ما يترافق الأمر مع ضحايا، صدمت العالم صورهم لدرجة أنهم لم يستطيعوا اتخاذ أي خطوة تُفيد بعدم خوض اللاجئين رحلة الموت هذه.

في النهاية سيذكر التاريخ أنه في الوقت الذي دُقت أبواب سوريا من قبل إخواننا العرب للجوء في أزمنة الحروب، فُتحت جميع الأبواب على مصراعيها، وفي الوقت الذي دَقّ السوريون فيه أبواب العرب أُوصدت جميعها في وجوههم، وفتحت ألمانيا أبوابها لهم فور وصولهم لها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع