المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سليم البيك  Headshot

فكرة التبرع بالأعضاء انحيازاً للحياة يجسدها الفيلم الفرنسي "تصليح الأحياء"

تم النشر: تم التحديث:

في الفيلم عالمان متتابعان، ينقطع أحدهما ليتابع الآخر، وهي هكذا إذ يموت شاب فيتم وهب قلبه إلى امرأة تحتاج لزراعة قلب كي تبقى حيّة. وهي كذلك على المستوى الحكائي، إذ ينقسم الفيلم إلى ما يمكن القول بأنّها ثلاثة فصول، وإن لم يفصل المخرج بينها بعناوين تحدّد كلاً منها، إذا تستمر الفصول وتتتابع إنّما تَغيّر الأمكنة والشخصيات والأجواء وطبيعة الحوارات يُفهم المُشاهد أنّ انتقالاً تاماً جرى في مضمون الحكاية.

في القسم الأوّل من الفيلم، أو الفصل الأول فيه، نُشاهد أسرة يتعرض ابنها لحادث فيموت سريرياً، بعد أقل من ساعة نجد فجأة أنّ الأحداث كلّها انتقلت إلى أجواء أخرى، كأنّها من فيلم آخر، لأسرة أخرى الأم فيها تحتاج لزراعة قلب. الأسرتان لا تلتقيان، لكل منهما حكايته وهمومه ويومياته، بل لا يحق للمتبرّع بالعضو، وهو القلب، أن يعرف المستفيد، وهو مَن سيخضع لعملية زراعة القلب، ففصلهما هنا، إضافة لغايته الحكائية، هو إلزامي تفرضه قوانين المسشتفى. في الفصل الثالث نرى الأسرتين في الساعات ذاتها، إنما كل منهما على حدة، متوحّدتان زمانياً إنما دون أي التقاء.

من عنوان الفيلم الذي تقصّد كلمة "تصليح" وليس "إشفاء" أو "علاج"، مانحاً المسألة بعداً عقلانياً مُضافاً إلى العاطفة الغزيرة فيه، من العنوان «تصليح الأحياء» (Réparer les vivants)، نلمس انحيازاً لمسألة التبرع بالأعضاء، بمعنى منح الأولوية للأحياء (وهو هنا المنطق العقلاني)، والفيلم يقدّم ذلك في سياق إنساني يجعل من المسألة ضرورة إنسانية لتمكين الأحياء (كالأم التي احتاجت للقلب) من مواصلة حياتهم في وقت يصير فيه الموت السريري موتاً خالصاً إذا ما أُطفئت الأجهزة كما قال الطبيب لعائلة الشاب، وذلك مجمل ما أرادت مخرجته الفرنسية كاتيل كيليفيري (صاحبة «سمّ عنيف» في 2010، و «سوزان» في 2013) إيصاله من خلال فيلمها الذي نقلت حكايته عن رواية بالعنوان ذاته، والذي شاركت به في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، ضمن قسم «آفاق»، وكذلك في مهرجان تورونتو السينمائي الأخير.

سيمون، ١٧ عاماً، شاب يهوى ركوب الأواج، يقفز، في بداية الفيلم، من نافذة غرفة حبيبته، آخر الليل، ليذهب مع أصدقائه إلى البحر، في طريق العودة ترتطم سيارتهم بشاحنة. بخلاف صديقيه، لم يكن رابطاً حزامه، فتمّ نقله إلى المستشفى والاتصال بوالدته (إيمانويل سينييه)، وهنا تبدأ المأساة المباغتة في حياة هذه الأسرة الصغيرة، مع والده المنفصل عن زوجته. يلي ذلك سؤالهم إن أرادوا التبرّع بقلب ابنهم وضرورة الإجابة بسرعة. ننتقل بعدها إلى أم لولدين (آن دورفال، عرفناها في أفلام إكزافييه دولان)، موسيقية، حنونة على ولديها، وتخاف أن تغادرهما بسبب قلبها المريض.

الفيلم ممتاز، ولا يعود ذلك فقط إلى الجماليات البصرية فيه، أو الموسيقى التصويرية المميزة كذلك، وهذه وتلك مسائل أساسية في تقييم الفيلم، إنما كذلك، وأساساً، إلى إمكانية نقل نصٍّ روائي إلى فيلم، وذلك النقل يعتمد أولاً على السيناريو والحوارات، إذ يختار المخرج وكاتب السيناريو المناسبَ من الرواية ليكون في فيلم يحكي الحكاية ذاتها، وقد شاركت المخرجة في كتابة السيناريو. لكن جودة السيناريو ذاته، والحكاية ذاتها والحوارات، كل ذلك يعود قبل أي شيء للرواية التي حققت مبيعات عالية، فاستطاع الفيلم أن ينقل حكاية نقل القلب من جسد يموت إلى آخر يعيش، بشكل إنساني تماماً، لكنه كذلك دقيق طبياً وتقنياً، كما قيل، بلا تعقيدات طبية تحول دون سلاسة الحكاية ودون إيصال بُعدها الإنساني، وذلك بشكل مختصر جداً مقارنة بالرواية، في أقل من ساعتين. البعد الإنساني نراه في مشاهد عدّة، قد يكون أهمّها إصرار الطبيب (طاهر رحيم) على وضع سماعات في أذني الشاب الميّت سريرياً، مشغّلاً أغنية ليسمعها، بطلب من حبيبته، قبل أن تبدأ العملية الجراحية ويُنتشل القلب، ويموت.

يبقى الأجمل في الفيلم، بصرياً، هي المشاهد الأولى منه، من اللحظة التي يقفز فيها من النافذة قاطعاً ببسكليته طريقاً خالية في طقس خريفي بارد، الضباب وحفيف أوراق الأشجار والإنارات الليلية تعمّ المدينة، إلى وصوله مع أصدقائه إلى البحر، هناك تأتي مشاهد ممتعة للأولاد يلعبون مع الموج، ثم، أخيراً، أثناء العودة، وقد غلب النّعاسُ من يقود السيارة منهم، فتتداخل صور الشارع أمامه بصور البحر وأفقه الواسع، وموجة عالية قادمة من بعيد، أثناءها نسمع صوت الارتطام بالموجة، صوت تكسّر مريع، هو صوت ارتطامهم بشاحنة أتت للسائق على هيئة موجة. هذه المشاهد الافتتاحية للفيلم كانت مناسبة للحكاية التي ستليها، للانحياز للحياة وللأحياء، لإصلاح الأحياء.

هذه التدوينة منشورة على موقع القدس العربي.. للإطلاع على النسخة الأصلية إضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.