المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سليم البيك  Headshot

"فيكتوريا" الفرنسي. المهنة والأصدقاء والطليق ومشاكل أخرى

تم النشر: تم التحديث:

اسم الفيلم بنسخته الفرنسية/الأصلية «فيكتوريا»، وهو اسم الشخصية الرئيسية فيه، أما اسمه بنسخته الإنكليزية/العالمية فهو «في السرير مع فيكتوريا». وهذا تغيير أقرب ليكون لغايات تجارية، فنحن هنا أمام فيلم فرنسي، بأجواء فرنسية لنقل، أو كما يُقال بالانكليزية «فرينشي»، ونحن أمام شقراء جميلة، بطلة الفيلم، وهي البلجيكية الجميلة حقاً والبارعة والتي تعدّدَ ظهورها في الأفلام خلال السنوات الأخيرة فيرجيني إفيرا، والجديدة نسبياً في السينما الفرنسية، فما كان للنسخة الإنكليزية غير أن تكون «في السرير مع..». ولا مشكلة في تغيير العنوان إجمالاً، فهو حاصل بشكل واسع فرنسياً وانكليزياً وغير ذلك. أذكر هنا ترجمة فيلم «عشّاق بون نوف» للفرنسي ليوس كاراكس، ومن بطولة جميلة فرنسية كذلك وممثلة بارعة هي جولييت بينوش. فقد تم ترجمته بنسخته الأسترالية إلى «عشّاق الجسر التاسع»، مترجمين كلمة "نوف" إلى "تسعة" وهي بالفرنسية تعني "تسعة" وتعني "جديد"، علماً بأن اسم الجسر هو "بون نوف" فكلمة جديد هي ضمن تسمية الجسر وليس توصيفاً له يتم ترجمته.

ولأن ترجمة العنوان تتطلب مشاهدة الفيلم قبل إلصاق أي ترجمة له به، ففيلم «عشاق...» تجري أحداثه أساساً على الجسر ذاته، ما يعني أن ترجمة عنوانه كان ما نسميه اليوم ترجمة غوغليّة. وفي فيلم «فيكتوريا» اليوم، ليس للسرير أي دور أساسي، بل أنّ البرود الجنسي هي واحدة من مشاكلة البطلة، فكان الجنس قليلاً في الفيلم، وكان كما في أي فيلم فرنسي يحكي من بين ما يحكيه، عن علاقة بين رجل وامرأة دون أن تكون العلاقة ثيمة أساسية في الفيلم. الخطأ الأساسي هنا في الترجمة كان إزاحة الغاية التي أرادها الفيلم الفرنسي من عنوانه، وهي أن الفيلم يحكي عن فيكتوريا، أي أنه فيلم الشخصية الواحدة، فيلم بطلته، لا فيلم حدث ما أو مكان ما حيث يتواجد هذا أو ذاك في العنوان. هو باختصار وتحديداً عن بطلته، حياتها المهنية كمحامية، العائلية كأم، العاطفية كعزباء.

الفيلم (Victoria) الذي كان فيلم الافتتاح في تظاهرة «أسبوع النقّاد» الموازية لمهرجان كان السينمائي، والمعروض حالياً في الصالات الفرنسية، من إخراج الفرنسية جستين ترييه، صاحبة الفيلم الكوميدي الآخر «معركة سولفرينو»، ونال استحسان النقّاد رغم عدم تميّزه بصرياً أو فنياً، فهو، شكلاً، أقرب لفيلم تجاري فرنسي، فيلم نهاية الأسبوع، فيلم الصالات الكبيرة وليس فيلم صالات الأفلام الفنّية (آر إي إيسيه). هو أقرب من حيث تصويره وحكايته وحتى ممثليه ليكون كذلك، إنّما ما جعله جديراً ليكون فيلماً فنياً ويفتتح فعالية «أسبوع النقّاد» هو السيناريو المتمكّن الذي حوّل الحكاية إلى نصٍّ سينمائي، بما فيه من حوارات وبما فيه من تشابك لمشاكل حياة حديثة. وكذلك، وإن لم تكثر في الفيلم، الانتقالات السريعة بين اللقطات، الإكثار في المونتاج، لقطة تستمر لثواني تلحقها أخرى في مكان آخر ومع شخصيات أخرى، ثم غيرها، انتقال "فنّي" كهذا ساعد في جعل الفيلم الذي يوحي بالكثير مما فيه بأنه تجاري، جعله فيلماً فنياً بشكل أو بآخر.

فيكتوريا، امرأة على حافة الانهيار العصبي، تذكّرنا بنساء الإسباني بيدرو ألمودوفار، أم وحيدة، محامية تعاني مشاكل مع عملائها، أحدهم صديق لها حاول قتل حبيبته ويريدها أن تدافع عنه، عدا عن عدم اقتناعها ببراءته تصر على أن لا تدافع عن أصدقاء لها، يصر هو وتضطر للدفاع عنه وتكسب الحكم. زوجها السابق يفضح حياتهما السابقة وعلاقات جنسية لها مع آخرين، من بينهم قاض، يفضحها في مدوّنته فترفع عليه دعوى ويدّعي هو بأنّ ما يقوم به عمل خيالي وروائي وأن الحرية في التعبير مكفولة وتعطيه الحق في كتابة ما يريده كونه خيالاً. ابنتاها لا يتركان الآيباد، ويعيشان حياتهما منعزلتيْن عن أمّهما. لفيكتوريا أكثر من عشيق، لغاية الجنس وحسب ودائماً هنالك مشاكل جنسية. وما يزيد حياتها تعقيداً هو التقاؤها بعميل سابق لها، شاب (فانسان لاكوست)، تاجر مخدّرات سابق، أراد البقاء بقربها فأقنعها بأن يعمل كمساعد لها في المحاماة، ويعتني بطلفتيها، وكان دائماً الحارس والمنقذ لها في كل من مشاكلها الصغيرة المتعدّدة والمتشابكة. وكل ذلك في سياق كوميدي.

يبدأ الفيلم بفيكتوريا تحكي مشاكلها لطبيب نفسي، تتردّد إليه، ونراها كذلك تذهب إلى بصّارة لترى لها مستقبلها. كل هذه التعقيدات والتشابكات في حياتها، وهي محامية شاطرة كما يبدو، تزيد من هشاشتها وإمكانية بكائها في أية لحظة، عدا عن محاولاتها الانتحار ببلع جرعة زائدة من حبوب مهدئة. مشاكلها هذه، في الحب والجنس والأمومة والعمل والصداقة، جعل الفيلم متركّزاً حولها هي بالذات، فكان فيلم الامرأة الوحيدة المكافحة، رغم ضعفها في مواضع عدّة، كي تحافظ على حد أدنى من استقرار في حياتها، في كلّ جوانبها. وهذا ما جعل الفيلم جديراً بأن يأخذ اسم شخصيته، وأن لا يتم تغييره لأي سبب. فنحن هنا أمام فيلم بطلته، الحكاية هي فيكتوريا، والآخرون لحضورهم في الفيلم قيمة بقدر اقترابهم من فيكتوريا وبقدر ما تؤثر مشاكلهم معها عليها.

هذه التدوينة منشورة على موقع القدس العربي .. للإطلاع على النسخة الأصلية إضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.