المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سلوى ياسين Headshot

مال وغرفة بمفتاح

تم النشر: تم التحديث:

يعتبر الأدب النسائي في مجتمعاتنا، قليلاً من حيث الكم ومحدوداً في مضامينه. ليس فقط لأن الكتابة تاريخيًّا هي اشتغال رجالي بامتياز، بل لأنها تحتاج أولاً، لتجارب حياتية مختلفة غير ممكنة للنساء في المجتمع العربي. كما أن ندرة اشتغال المرأة في مجالات الإبداع، لا يوازيه تواجدها بكثافة في الأعمال الأدبية كموضوع أساسي سواء للشهوة أو للتغزل..

هناك عوامل أخرى أثارتها الكاتبة "فيرجينيا وولف" عن معيقات اشتغال المرأة في مجال الكتابة، لخصتها أولاً في توفرها على الاستقلال المادي. وثانياً في ضرورة وجود فضاء خاص للمرأة لكي تبدع داخله يتمثل في غرفة خاصة بمفتاح، كيلا تضطر لقطع خلوتها الإبداعية بسبب ارتباطات الزوجية والأمومة، أو المجاملات الاجتماعية.

الاستقلالية المادية، تمكن المرأة من التحرر من أي شكل من الوصاية التي قد تفرض عليها قيوداً إبداعية. كما أنه لن يتاح للكاتبة أن تهب كل وقتها للقراءة والكتابة واكتشاف العوالم التي يتغذى عليها الإبداع دون توفر المال. وقد ذكرت "فيرجينيا وولف" في مقالتها، أن استمرارها في الكتابة، كان بفضل مبلغ خمسمائة جنيه إسترليني أوصت به عمتها لها مدى الحياة، ولولا توفر هذا المال المنتظم لديها، لما كان بإمكانها التفرغ للكتابة كعمل يتطلب الوقت والبحث.

أما العامل الثاني في العملية الإبداعية، فهو توفر غرفة شخصية بمفتاح، لأنها ترمز لضرورة وجود فضاء حميمي مغلق، يمكن للكاتبة داخله، أن تغوص في عزلة وجدانية، والاختلاء بالنفس. وتساءلت "فيرجينيا وولف" بسخرية، هل كان ممكناً لشكسبير أن يكتب مسرحياته بنفس الجمالية والعبقرية لو أنه كان كل مرة مضطراً إلى قطع حبل إلهامه، من أجل تلبية توسلات ونداءات أطفاله، أو للتفرغ لتربيتهم؟

إضافة إلى المال والغرفة الخاصة، تضل الحرية، خصوصاً في المجتمعات العربية، هي النقص المحوري في الإنتاج الأدبي النسائي كمًّا وكيفاً. حيث تواجه الكاتبات اليوم بسبب اختياراتهن الجريئة انتقادات وإقصاءً لا مثيل له، بمجرد أن يخضن في التابوهات. ويتعرضن للهجوم والتجريح إذا سمحن لقلمهن بتهجي حروف الجسد، وتخطي الخطوط الحمراء التي لم ترسم على ما يبدو سوى أمام الإبداع النسائي.

العامل الآخر الذي يتدخل في نوعية الكتابة النسائية وغزارتها، هو صعوبة دخول المرأة، العوالم والتجارب الحياتية التي يتغذى عليها الإبداع. التي تمكن المرأة أو الروائية من صنع رواياتها بشخوص مختلفة. وهي نقطة أشار إليها الكاتب "علاء الأسواني".. حيث وصف صادقاً الجهد الذي كان يبذله كطبيب أسنان، لا غناء تجاربه وتغذية خياله قائلاً "انقسمت حياتي إلى شقين منفصلين تماماً: الحياة المنتظمة الوقورة لطبيب الأسنان المحترم، وحياة الأديب المتخلصة تماماً من القيود الاجتماعية" في إشارة صادقة أن الكتابة تستمد غناها من التجارب التي يخوضها الكاتب، ومن دخوله فضاء يظل مستعصياً على المرأة.

في وجود هذه المعوقات الكثيرة، تبقى كتابات النساء تتغذى على الذكريات الشخصية، وتستمد حكاياتها من تجارب محدودة لا تبرح عوالم مغلقة متكررة. وحتى وإن اتخذت المرأة الكاتبة من حياتها الشخصية والزوجية موضوعاً لإبداعاتها، فهي في نفس الوقت تضطر إلى الاختصار والسطحية، احتراماً للالتزامات الاجتماعية، التي تمنعها من الكتابة بشكل مفتوح وصريح. في تعارض واضح مع شروط الإبداع الذي يحتاج إلى جرعات مكثفة من الحرية والانطلاق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.