المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح محمد إسماعيل Headshot

جمهورية وسط ملكيات

تم النشر: تم التحديث:

كانت ثورة 26 من سبتمبر/أيلول 1962 مميزة عن الثورات في المحيط العربي، بأنها لم تكن ضد الاستعمار كأغلب الثورات العربية الكبرى، بل ضد النظام الملكي الاستبدادي في محيط من الدول الملكية. ثورة جمهورية لم تكن متوقعة في بلد يعاني شعبه الجهل والفقر ومعزول عن العالم.

هذا الأمر مثّل صدمة، خاصة للمملكة العربية السعودية ودول أخرى كالمملكة الأردنية الهاشمية. رغم أن نظام الإمام في اليمن حينها لم يكن موالياً للنظام السعودي بل إن حروباً قد نشبت بينهما، إلا أن الرياض وجدت نفسها ملزمة بالوقوف بكل الإمكانيات ضد الثورة والنظام الجمهوري الجديد في اليمن ومع البدر وقوات الملكيين.

لم تكن ثورة 26 سبتمبر/أيلول وما نتج عنها من قيام الجمهورية العربية اليمنية تمثل تهديداً مباشراً أو حالة عداء أو موقفاً سلبياً مسبقاً من السعودية، فدولة اليمن بنظامها الوليد كانت تسعى لنيل الاعتراف والوقوف على قدميها. لكن على العكس، الرياض هي من رفضت الاعتراف بها والتعامل معها وتفانت في دعم قوات الملكيين الذين يسعون للعودة إلى الحكم.

كان دافع الرياض وهاجسها أن ثورة على الملكية وقيام نظام جمهوري في دولة جارة يمثل تهديداً غير مباشر لكنه خطير، في أنه قد يتسبب في إذكاء حركة تحريرية مماثلة في الداخل السعودي لتغيير النظام. فالثورات قد تكون عدوى والشعوب تلهم بعضها والتاريخ مليء بالشواهد، خاصة أن سنوات النصف الثاني من القرن الماضي كان عصر حركات التحرير الثورية بامتياز.

نفس الأمر حدث في الموجة الثانية من الثورات العربية، ثورات الربيع العربي التي اشتعلت في 2011؛ حيث وقفت دولتا السعودية والإمارات بكل إمكاناتهما ضد عملية التغيير ومنها في اليمن، وإن كان بدافع مختلف وهو الديمقراطية هذه المرة -التي كانت شعار الجماهير- بعدما كان العداء للثورات العربية في القرن الماضي يتمثل في الخوف من الجمهورية.

يعيد التاريخ نفسه فيما يخص دور الملكيات في البلاد العربية من أي عملية أو رغبة تغيير قد تحدث في محطيها خشية الانتقال لها، فهي تكافح ما تعتبره وباء في مصادره الخارجية قبل أن تجد نفسها تتعامل معه في وسطها.

ولا تهتم أن تسببت هكذا مواقف سلبية فيما قد يحدث من دمار للدول، في محاولة كبح التغيير والإرادة الشعبية، فالعداء لثورة 11 من فبراير/شباط 2011 ولقوى التغيير في اليمن قاد إلى سقوط الدولة والانقلاب على السلطة الشرعية، ورغم أن سلطة الانقلاب في صنعاء تمثل حالة عداء معلنة للرياض، ودخلت في حرب مباشرة معها، إلا أن الرياض ترى هذا أهون من نجاح مشروع التغيير وقيام دولة مدنية ديمقراطية كهدف لثوار 11 فبراير والقوى السياسية التي أيدته، وهذا ما يلمس في حربها في اليمن؛ حيث تعادي الرياض وأبوظبي كل ما يرتبط بثورة التغيير في اليمن. كما تعامل باستخفاف سلطة الرئيس هادي وحكومته وتسخرهم بشكل فج وتحت إقامة جبرية، في خدمة مشروعيهما (السعودية والإمارات) الذي لا يختلف عن مشروع دولة احتلال.

تجد السعودية نفسها بين خيارين: مشروع السلطة الشرعية وبالضرورة قوى التغيير التي تقف في صفها، ومشروع حركة الحوثي وصالح، تستخدم الأول في محاربة الثاني كما استخدمت من قبل الثاني في محاربة الأول ولا يزال كذلك.

لكنها في نهاية المطاف قد تقبل بنظام ولاية فقيه في اليمن معادٍ لها على نظام جمهوري ديمقراطي يتعامل معها وفق المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

النظام الأول إن كان يمثل تهديداً عسكرياً خارجياً مباشراً على حدودها، فالنظام الثاني (جمهوري ديمقراطي) يمثل تهديداً داخلياً بإذكاء روح ونزعة التغيير للمواطن السعودي أو الإماراتي أو الخليجي.

فهي تخشى النموذج الملهم للداخل، وترى أن من الأسهل التعامل مع تهديد عسكري خارجي على أن تتعامل مع حراك داخلي يدعو للتغيير.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.