المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح محمد إسماعيل Headshot

عن مفهوم الزعامة في العالم العربي

تم النشر: تم التحديث:

أشياء تخضع لسياقها التاريخي، أو ما يسمى السيرورة التاريخية، كالأفكار والزعامة.

جمال عبد الناصر زعيم وفق سياق وظروف عصره، من وجهة نظري المتجردة.

لكن مع التطور كحتمية إنسانية، تدخل شروط ومعايير جديدة للزعامة، ومحاولة نسخ زعامة الخمسينات والستينات للوقت الحاضر غير مجدية وسلبية.

وفي نفس الوقت، غير موضوعي محاكمته وفق معايير اليوم وقد أصبحت الديمقراطية هي الأساس كمعيار مع تطور الوعي وحتمية وضرورة الحاجة للانتقال إلى دولة الديمقراطية والمواطنة المتساوية.

في القرن الماضي سنقول إن مهمة الزعامة كانت في بناء الدولة الوطنية، وربما كان متفهماً الاستبداد الذي مارسته السلطة بعذر ترسيخ دعائم الدولة الجديدة، التي تحاول التخلص من إرث الاستعمار الثقيل وما سببه من تمزيق للنسيح الاجتماعي.

الأمر ينطبق مثلاً على تجربة الحزب الاشتراكي اليمني في جنوب اليمن، التي تركها الاستعمار ممزقةً إلى عشرين سلطنة (إمارة).

وكانت المهمة الأولى أن توحد السلاطين تحت هوية وطنية واحدة، الهوية اليمنية، وقد نجح الحزب في ذلك، بغضّ النظر عن كونه نظام الحزب الواحد.

لكن اليوم الأمر لم يعُد الاستبداد مقبولاً والحاجة تصاعدت والشعوب تريد أكثر، لا يمكن الاستمرار في قبول الاستبداد والقمع بعذر مواجهة المؤامرات الخارجية.

الاستعمار ذهب، والهوية الوطنية التي تمت إعادة تلحيمها بفعل روح الثورة العالية معرضة للانتكاسة إن لم يتوقف الاستبداد وننتقل إلى الدولة الوطنية الديمقراطية.

كانت الثورات العربية الكبرى في القرن الماضي مهمة وناجحة إلى حد كبير، تعرضت لبعض الانتكاسات نعم، لكنها كانت ضرورة لبناء دولة بهوية وطنية، غير أن استمرار الاستبداد بعد التخلص من الاستعمار وبسط سيادة الدولة الجديدة وعدم الانتقال إلى الديمقراطية قتل الروح في الشعوب وبعث على التذمر والقهر.

من هنا يمكن مثلاً أن نفرق بين جمال عبد الناصر وصدام حسين، فالأول الذي أعاد إلى مصر هويتها وتماسكها، أتى من الثورة وحكم في مرحلة يمكن اعتبارها صعبة، وإن كان يجب أن يليها الانتقال للديمقراطية، بينما الثاني أتى بانقلاب ومارَس الاستبداد -فقط- في سبيل تدعيم حكمه، وكان سبباً فيما شهدته الهوية الوطنية العراقية من تمزّق.

طبعاً، لن نكون مثاليين ونقول إن الزعماء الذين تولوا الحكم بعد الثورات مباشرة كان يفترض أن يعملوا على إرساء قواعد الديمقراطية والتعددية الحزبية والسياسية، ثم يسلموا الحكم وفق ذلك، كما فعل جورج واشنطن، قائد حرب التحرير الأميركية وأول رئيس لها، حين رفض تولّي الرئاسة لولاية أخرى، وجعل من نفسه قدوة بأن تكون الرئاسة ولايتين -فقط- إلى اليوم، أو كغيره من زعماء العالم الذين أسّسوا وذهبوا.

نقول فقط: إن شروط الزعامة العربية اليوم ينبغي أن تختلف عن شروطها في الأمس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.