المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح بدر الدين  Headshot

في إشكالية مسودة الدستور الروسي

تم النشر: تم التحديث:

الدستور بتعريفه العام، بحسب كل المصادر العلمية، هو "القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة)، ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري)، وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية)، وينظم السلطات العامة فيها، وحدود كل سلطة، والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد تجاه السلطة، ويشمل ويضع اختصاصات السلطات الثلاث (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وتلتزم به كل القوانين الأدنى مرتبة في الهرم التشريعي،

فالقانون يجب أن يكون متوخياً للقواعد الدستورية، وفي عبارة واحدة تكون القوانين واللوائح غير شرعية إذا خالفت قاعدة دستورية واردة في الوثيقة الدستورية"؛ لذلك يشكل الدستور القاعدة الأساسية الوحيدة الأهم للحياة الاجتماعية والسياسية للشعوب، وهو الفيصل والمرجعية والضمان في حاضر ومستقبل علاقات الجماعات والأفراد داخل الدول.

ما زالت مسودة الدستور التي سلمها الروس إلى الأطراف السورية في اجتماع أستانا قبل نحو أسبوع، والتي تبين لاحقاً أن طرف النظام كان قد تسلمها منذ فترة سابقة، موضع ردود فعل متفاوتة بين الرفض الغالب والقبول ببعض بنوده والنقاش حوله، فمن رفضها بشكل مبدئي ودون سرد تفاصيل المضمون، وذلك انطلاقاً من اعتبارات تتعلق بالسيادة والتدخل في الشؤون الداخلية، وأحقية السوريين باقتراح وصياغة ومناقشة دستورهم القادم، وبين من اعتبر إمكانية التعاطي مع المقترح والاستفادة من مضامينها، وبين من اختار بنوداً اعتبرها مفيدة، ورفض أخرى باعتبارها ضارة.

ومن اللافت أن عدداً لا يستهان به من معارضي النخب القومية والإسلامية وحتى الليبرالية اقتصرت مآخذها فقط على بعض البنود التي ورد فيها اسم "الجمهورية السورية" بدون "العربية"، أو التي تضمنت "الحكم الذاتي الثقافي للكرد"، والمساواة بين اللغتين العربية والكردية في إطاره، وأحقية المكونات الأخرى بالمطالبة في ممارسة لغتها وثقافتها، وكذلك انتخاب مجالس أو جمعيات المناطق إلى جانب مجلس النواب، وبشكل عام التحفظ على تعددية المجتمع السوري القومية والدينية، والتزام الدستور بوجودها وحقوقها، وكذلك على التخفيف من سلطة المركز لمصلحة المحافظات والمناطق، هذا من دون البحث في أية جوانب أخرى في مضمون تلك المسودة.

وقبل اتخاذ أي موقف من تلك المسودة، من المناسب العودة إلى بحث ومعرفة الأهداف الروسية في طرحها بالتوقيت الراهن، فمن الواضح أن الروس لم يقدموا أي مقترح سياسي جاد ومتكامل عندما كانوا أحد الأطراف المعنية بالملف السوري إلى جانب الأميركيين والأوروبيين والبلدان العربية والإقليمية (سوى الإصرار على صيانة نظام الأسد واستمراريته)،

والآن وبعد تشديد القبضة على سوريا كدولة احتلال والتفرد بإقرار مصير السوريين وتسمية ودعوة من يشاءون للمشاركة في المفاوضات حول سوريا بمعزل عن إشراك الآخرين بما فيهم هيئة الأمم المتحدة إلا من باب المجاملة الشكلية، فإنهم يعملون على إعادة تشكيل سوريا حسب مقاسهم، وبما يتناسب مع مصالحهم، فبدأوا بطرح مسودة الدستور الذي يشكل البنية التحتية والفوقية لأي نظام سياسي مقبل.

كل الدلائل تشير إلى استحالة تحقيق الخطط الروسية في سوريا ما دامت ترسم بعقلية الاحتلال والتفرد، وعدم احترام إرادة غالبية السوريين في إزالة الاستبداد، وإجراء التغيير الديمقراطي، وما دام أصحاب القرار في موسكو ينطلقون من واقع الاحتلال العسكري وترجمته إلى السيطرة السياسية فإنهم لن يفلحوا، خاصة أن لدينا تجارب تاريخية غير مشجعة، بل فاشلة في هذا المجال، فعندما احتل الأميركيون فيتنام بالقوة العسكرية الغاشمة، وبكل أسلحتهم المتطورة، لم يتمكنوا ولو قيد أنملة من تغيير النظام السياسي المبني على إرادة الشعب وثورتهم، وكذلك فشل الأميركان أيضاً بالعراق بل انسحبوا لصالح احتلال آخر من جانب نظام ولاية الفقيه الإيراني.

وهنا وبعد الإشارة إلى التجربة الأميركية الفاشلة في هذا المجال، رغم تقدمها على الروس بأشواط، من المفيد المقارنة بين طبيعة وشعارات كل من النظام الأميركي في الإطار الداخلي على الأقل الذي يستند إلى تراث قديم من الليبرالية، وجوانب من المثل الديمقراطية خاصة بشأن الانتقال السلمي للسلطة والإدارة منذ أكثر من قرنين، والذي يتبنى وبشكل نسبي مبادئ وشعارات تدعو إلى الحرية وحقوق الإنسان،

وتناوئ الديكتاتورية، على الرغم من التجربة المرة للسوريين مع إدارة أوباما وبين نظام بوتين الديكتاتوري المساند منذ ستة أعوام لنظام الاستبداد، والباحث عن النفوذ والسيطرة حتى على حساب حرية الشعوب واستقلالها وسيادتها؛ لذلك فإن النظام الروسي بطبيعته ومراميه وأجندته ليس مؤهلاً لتصدير الديمقراطية ولا لوضع الدساتير المفيدة لدول أخرى، خاصة أنه يضطهد شعوباً وأقواماً أخرى ويحتل أقاليم ومناطق بقوة السلاح.

لا ضير من مناقشة الحاضر والمستقبل بالشأن السوري، ولكن مسألة الدستور التي هي أساس كل القضايا والمنطلق لتحديد ملامح النظام السياسي المستقبلي، فإن البت النهائي فيها متروك إلى قرار الشعب السوري عندما تحين الفرصة المناسبة بعد إزالة الاستبداد وإجراء التغيير، والارتهان إلى ممثلي الشعب تحت قبة البرلمان في التوافق على دستور جديد يعبر عن الواقع التعددي القومي والديني والمذهبي، وعن المبدأ التشاركي العادل، وعند ذلك يمكن الاستفادة من دساتير وتجارب البلدان المشابهة لبلادنا والمتطورة العريقة في الديمقراطية، والعيش المشترك بين مكوناتها،

من دون إغفال التراث الدستوري في عهد (الاتحاد السوفييتي السابق) الغني نظرياً بخصوص تحديد حقوق الشعوب والأقوام والإثنيات، بدءاً من الدولة المستقلة، ومروراً بالفيدرالية والحكم الذاتي القومي والثقافي والإدارة المحلية واللامركزية والوحدات القومية، على الرغم من أن السلطات السوفييتية لم تطبق تلك المبادئ الدستورية النظرية على أرض الواقع.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.