المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح بدر الدين  Headshot

تراجعت الثورة وانتصر الروس

تم النشر: تم التحديث:

إذا كان نظام طهران بأدواته العسكرية والأمنية ودعمه المالي اللامحدود ومجموعاته المسلحة وميليشياته الطائفية التي استحضرها إلى سوريا منذ بدايات اندلاع الانتفاضة الثورية خدمةً لمشروعه التوسعي وممراته المذهبية قد شكَّل عاملاً لا يستهان به في إطالة عمر نظام الأسد، وتشويه كفاح السوريين بإضفاء الطابع الديني - المذهبي على شكل الصراع في سوريا، ولم يكن "داعش" بمعزل عن المشهد، فإن طغمة بوتين المستبدة الحاكمة في روسيا الاتحادية كانت منذ اليوم الأول الضمانة الرئيسية في الحؤول دون سقوط سلطة الأسد عسكرياً،

أو عزلها دولياً على الصعيد الدبلوماسي، خصوصاً بعد انكفاء إدارة الرئيس أوباما وخذلانها للسوريين، والتشجيع الذي لاقته من إسرائيل، إضافة إلى الرضوخ التركي، ولا شك أن الطرفين اتفقا على أمرين، وكل بطريقته خلال الأعوام السابقة، هما الحفاظ على النظام ومنع الثورة من الانتصار، وبعد تحقيق الهدف المرجو الذي دشنه وشرعنه ووثقه اجتماع أستانا، فمن شبه المؤكد سيبدأ العد التنازلي في تحالف موسكو وطهران المرحلي، وقد تتضارب بينهما المصالح إلى درجة المواجهة، ولكن ذلك لن يفيد الشعب السوري كثيراً بعد حصول الانتكاسة المروعة لثورته.

لم يكن تحقيق الأهداف الروسية ممكناً إلا بدحر الثورة وهزيمة الفصائل المسلحة بحلب وغيرها، أو استسلامها، وتراجع خطابها حيال روسيا، بتحويلها من عدو إلى صديق محتمل، وهذا ما نلمسه مؤخراً في تصريحات وبيانات العديد من قادة الفصائل ومسؤولي المعارضة، فأصحاب القرار في موسكو وضعوا خطة محكمة مدروسة لخدمة مشروعهم الاستراتيجي في حوض البحر الأبيض المتوسط، وسوريا تحديداً، تقضي بالتدخل المباشر الحاسم بعد إنهاك قوى نظام الأسد إلى درجة الوصول إلى حافة السقوط، وازدياد مخاطر داعش على الداخل السوري والمنطقة والعالم الغربي،

وتشرذم قوى الثورة والجيش الحر، ورجحان كفة الإسلاميين على حساب العلمانيين؛ للإمعان في مضاعفة المحاذير محلياً وعالمياً، وحصد كل من الائتلاف والهيئة التفاوضية الفشل تلو الآخر، وازدياد المصاعب والتحديات الداخلية والإقليمية أمام حكومة أردوغان، كأكثر الأطراف التصاقاً بالقضية السورية، وقد تم لروسيا ما أرادت، وحصل كل ذلك منذ أواخر العام المنصرم وبداية العام الجديد.

كما يظهر وبحكم اطلاع الخبراء الروس على الملف السوري منذ عقود في عهود الاتحاد السوفييتي سابقاً وحتى الآن، وتواصل أجهزتهم المختصة مع مختلف أطياف "المعارضة - والموالاة - والرماديين - وبينَ بينَ"، وبعد اختراقهم المعروف للوسط المعارض، واستمالة العديد من الشخصيات، وبينهم ضباط منشقون عن الجيش السوري، وبعد أن أنشأوا معارضات على حسابهم، فقد توصلوا إلى استنتاجات ونتائج تؤكد لهم خطأ الارتهان إلى المعارضة السياسية مثل (المجلس والائتلاف والهيئة التفاوضية)؛ لأنها هزيلة، وقد فات أوانها وغير مستقلة،

ولا تمثل شيئاً على أرض الواقع، وهذا ما دفع الروس إلى تلك الاستدارة نحو الفصائل المسلحة المحسوبة على الثورة، التي كانوا يعتبرونها حتى الأمس القريب إرهابية ومتشددة، ولأنهم -أي الروس- على عجلة من أمرهم حتى لا تداهمهم مفاجآت على الطريقة الترامبية تغير من الظروف المحيطة، قرروا عقد اجتماع أستانا بين وفدَي الفصائل العسكرية والنظام.

لقاء أو مفاوضات أو اجتماع أستانا كان حاجة روسية ومحطة لترسيخ وحدانية قرارها بالشأن السوري، وإشارة واضحة لكل الأطراف المعنية بأن الروس قادمون إلى المنطقة، وسوريا حصتهم في عملية تقاسم النفوذ، وهم يقررون مَن يشارك في لقاءات جنيف المرتقبة من أطراف المعارضة والنظام والدول الكبرى والصغرى، خاصة بعد أن ذللوا العقبة الأكبر، وهي الانفتاح المتبادل بينهم وبين قادة الفصائل المعروفين بالتشدد والوضوح، وبذلك ضربوا عدة عصافير بحجر واحد.

نعم انتصر الروس على أكثر من جبهة وصعيد، وعقب المحطة الأخيرة سيستكملون الخطوات بجمع ما يمكن من ممثلي منصات (أستانا وموسكو والقاهرة وحميميم ودمشق)، وقد يسمحون لممثلي هيئة التفاوض بالمشاركة ولكن ليس (كممثل شرعي وحيد)؛ بل كطرف مثل بقية الأطراف، ومن المؤكد أن اختيارات الروس ستخضع لمدى خدمتها لمصالحهم، فقد يدعون طرفاً ما باسم المعارضة إرضاء لدولة ما ومقايضة مع تحقيق مصلحة معينة لدى دولة أخرى، وهي من صلب ما يطلق عليه بلعبة الأمم والروس يتفننون بهذه اللعبة القذرة.

أما من الناحية السياسية الإجرائية المتعلقة بمستقبل سوريا، فقد قدَّم الوفد الروسي مسودة الدستور الجديد لسوريا القادمة، وسيشكل مضمون البلاغ الثلاثي الروسي - التركي - الإيراني في ختام لقاء أستانا ملامح المرحلة القادمة، وإضافة إلى تثبيت وقف إطلاق النار "وحدة سوريا المتعددة الأعراق والديانات والتفاوض والمصالحة بين المعارضة والنظام"، وبالتأكيد على "حضور ممثلي الفصائل المسلحة إلى جنيف"، تمهيداً لتحقيق التوجه الروسي في إعادة بناء جيش وطني سوري مشترك تحت عنوان "محاربة إرهاب داعش والنصرة" في ظل النظام القائم، وهو يعني التركيز على الجانب العسكري، على حساب التغيير السياسي، وكما يظهر فإن هذا التوجه يحظى بعدم اعتراض أميركي، ودعم مصري قوي، ورضا من جانب النظام وقاعدته العسكرية ذات اللون الواحد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.