المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح بدر الدين  Headshot

"ورقة الكرد" تُسيل لعاب روسيا وغازهم يؤرقها

تم النشر: تم التحديث:

طوال التاريخ عانت شعوب التحرر الوطني -وخاصة المستضعفة منها- استثمار "الكبار" لقضاياها المشروعة إما بإطالة أمدها لتحقيق المزيد من المكاسب ومقايضتها بمسائل أخرى في أماكن مختلفة مع القوى المواجهة المتنافسة على النفوذ ونهب مقدرات الشعوب، وإما بترك مصائرها للمجهول واستغلالها للمزايدات اللفظية القومية والأيديولوجية والأخلاقية، أو بنعتها بكل الصفات السلبية من انفصالية وإرهابية وحجب الشرعية الوطنية عنها كذريعة لإدامة الاستبداد والحفاظ على الأمر الواقع والتحكم بالسلطة إلى مالانهاية قاطعة الطريق على إرادة التغيير الديمقراطي والإصلاح والتطوير.

إلى جانب "الورقة الكردية" التي قيل عن استغلالها الكثير من جانب القوى الدولية والإقليمية منذ أكثر من قرن وحتى الآن، برزت "الورقة الفلسطينية" في العقود الأخيرة وتحديدا منذ قيام دولة إسرائيل وانبثاق منظمة التحرير وصعود النضال الفلسطيني، حيث بدأ النظام العربي الرسمي وتحت الضغط الشعبي والتعاطف الجماهيري الواسع إلى استثمار القضية الفلسطينية كورقة حتى في الأمور الداخلية والصراعات السياسية ضد الخصوم.. وفي الحالتين يعود سبب استثمار الورقتين من جانب الآخرين إلى ضعف البنية الاجتماعية للحركتين الوطنيتين الكردية والفلسطينية، والافتقار إلى عوامل المقاومة والصمود، إضافة إلى تجاهل المجتمع الدولي لحقوق الشعبين وحجب الدعم عنهما.

المداعبة الروسية المستجدة لـ"لورقة الكردية"
منذ بدايات الانتفاضة الثورية السورية ودخول روسيا الاتحادية طرفاً في اللعبة الدولية حول سوريا من بوابة تقديم كل أنواع الدعم العسكري والدبلوماسي والسياسي إلى جانب إيران للنظام المستبد الحاكم، بدأت بالبحث عن قنوات سورية غير حكومية لتعزيز تواجدها في صفوف منظمات وأحزاب وتيارات محسوبة على المعارضات المَرضِيٍّ عنها من أوساط نظام الأسد بشكل خاص، بعد أن لفظتها قوى الثورة وردت مندوبيها على أعقابهم في أكثر من مناسبة، ومن جملة من انفتحت عليهم الدوائر الروسية الدبلوماسية-الأمنية حزب الاتحاد الديمقراطي، حيث استُضيف ممثلوه مراراً إلى موسكو وأصبح في قائمة -لافروف- بشكل دائم كطرف (معارض!) مرشح للمشاركة في وفد المعارضة السورية للتفاوض مع وفد النظام كما أقره اجتماع فيينا 2.

لقد شكل التقرير المفصل الذي عرضته قناة روسيا 24 الرسمية المقربة من الرئيس الروسي فلادمير بوتين، قبل أيام عن" الورقة الكردية" في الصراع الروسي-التركي وذلك ضمن برنامج "الحقائق"، نموذجاً ساطعاً لحقيقة المفهوم الروسي الانتهازي للقضية الكردية، وخصوصاً في تركيا، حيث أكد التقرير أن القضية الكردية هي أكثر ما يُسبب الألم للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتعتبر من أهم نقاط الضعف والألم الدامي لنظامه ويتوقف الأمر على كيفية تعامل روسيا مع الورقة الكردية على حد تعبير التقرير.

كما أشار التقرير أيضاً إلى أن الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي -السوري- أعرب عن استعداده للتنسيق مع روسيا؛ لهذا يجب على روسيا أن تسرع الخطى لجذبهم إلى جانبها بأسرع وقت قبل أن يفعلها الأميركان، هذا مهم جداً ويجب أن تكون هذه الخطوة من أولويات روسيا في هذا الوقت الحساس، لكن يجب على روسيا أن لا تنسى أن الكرد حلفاء لأمريكا، ولكنها لا تسمح لهم بتخطي نهر الفرات غرباً لكي يوصلوا كوباني بعفرين وذلك إرضاءً لحليفتها تركيا.

وذكر التقرير أن الكرد في سوريا قدموا مؤخراً طلباً لفتح سفارة لهم بموسكو وهم يؤيدون العملية العسكرية الروسية ضد الإرهاب في سوريا، والمقصود هنا حسب المفهوم الروسي ومن دون الإفصاح علناً عن علاقات -بي يي دي- مع النظام السوري، هو أن هذا الحزب إلى جانب جماعات سورية أخرى هم ضمن صفوف أصحاب الموقف الذي يعتبر كل من يعارض نظام الأسد سياسياً وعسكرياً هم من الإرهابيين طبعاً مع هامش من حرية ممارسة التكتيكات عندما تقتضي الحاجة، واللعب بالتعابير والمصطلحات عندما يتطلب الأمر التستر على الأسرار وتزييف الحقائق.

اللعبة الروسية بـ"الورقة الكردية" باتت مفضوحة من أول الطريق فإضافة إلى محاولة استثمارها ضد تركيا لحين حل الخلاف معها من دون أية إشارة إلى القضية الكردية كمسألة شعب مكافح من أجل الحرية ليس في تركيا فحسب بل في العراق وإيران وسوريا فإن السياسة الروسية ترمي إلى تعميق الخلاف وإثارة الفتنة الكردية-الكردية وتأليب جماعات -بي كا كا- ضد حكومة وشعب إقليم كردستان العراق وعلاقاته المميزة المتطورة مع تركيا منذ عقود التي تصب لصالح الطرفين وقد رافق الإثارة الروسية للفتنة الكردية التركية الداخلية إثارة إعلامية مضللة باتهام الإقليم بنقل نفط داعش إلى تركيا عبر معبر إبراهيم الخليل مما حدا بحكومة الإقليم إلى تقديم مذكرة شديدة اللهجة إلى الحكومة الروسية عبر قنصليتها بأربيل والمطالبة بإجراء تحقيق دولي لتعرية الادعاءات الروسية الباطلة.

لم يعد خافياً أن الطغمة الروسية الحاكمة تستخدم كل آلتها العسكرية المدمرة ضد الشعوب الآمنة في أكثر من بلد، وخصوصاً في أوكرانيا وسوريا وتعادي الدول والحكومات، وتصفي الخصوم والمنافسين بمختلف الطرق، بما في ذلك السموم واليورانيوم القاتل في سبيل تحسين شروط بيع الغاز في الأسواق العالمية، وتخاصم البعض من أجل قطع الطريق على منافستها في تجارة الغاز، وأمام ذلك لا نستغرب قيامها بأي إجراء لاقانوني ومنافٍ حتى لشرعة حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة من أجل تحقيق نزعاتها التجارية الربحية على صعيد طرق الإمداد وأسواق العرض والطلب ولا شك أن جزءاً من معاداتها لإقليم كردستان العراق يعود إلى إمكانية تصدير النفط والغاز الكردستاني إلى الأسواق التركية والعالمية.

لا شك أن الرأي العام الكردي في مختلف المواقع يقف إلى جانب الإقليم الكردستاني العراقي، ليس لأنه نتاج عقود من النضال وثمن لدماء الشهداء والضحايا وتجسيد لمبدأ حق تقرير مصير الشعب الكردي في جزء من وطنه، بل لمواقف قيادته الشرعية المنتخبة الثابتة ضد الإرهاب وانتهاجها سبيل العقلانية والاعتدال تجاه القضايا الداخلية والخارجية وبنفس القدر فإن الغالبية الساحقة من الكرد تستهجن المواقف الروسية الانتهازية ليس بخصوص القضية الكردية فحسب، بل تجاه ثورات الربيع عموماً والثورة السورية على وجه الخصوص ووقوفها إلى جانب الطغاة المستبدين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.