المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح عبد الجابر العربي Headshot

اعترافات صحفي مصري

تم النشر: تم التحديث:

بداية أعترف لكم يا قراء بأني أكتب هذه السطور تحت وخز من الضمير، فضميري أصبح يؤرقني، لماذا الآن بالذات، ربما لأَنِّي جاوزت أعوامي الأربعين، وقد جاء في الأثر أن من جاوز الأربعين عليه أن يتدبر أمره مع الله.

قال لي صديق صحفي ذات يوم: إننا نعمل مثل "الفواعلية" أو عمال التراحيل، يطلب منا صاحب العمل أن نحفر في هذا المكان بمقاسات محددة وبطول محدد فنحفر له ما يريده بالضبط، لا زيادة ولا نقصان، لا يهمنا في هذه الحالة إذا كان هذا الحفر سيضر إنسانا أو طيرا أو حيوانا، أو سيقطع خطوط كهرباء أو مواسير مياه، ما يهمنا فقط أن يكون صاحب العمل راضياً عنا وعن عملنا وبالتالي نحصل على الأجر أو الراتب الشهري، واستطرد بأن رئيس التحرير مجرد مقاول أنفار وأن مدير التحرير مجرد مشرف على العمال، وأن جميع الصحفيين الذين يصدعون رأسك يوميا بحرية الرأي والتعبير والأمور الثقافية والسياسية وعلى أنهم مطلعون على بواطن الأمور وغيرها هم مجرد أنفار "فواعلية" يقومون بتنفيذ ما يريده المقاول أو صاحب العمل سواء كانوا يعملون في صحيفة قومية أو معارضة أو خاصة، إنهم يهيمون وينفذون ما يصدر لهم من تعليمات، بعضهم ينفذها بغباء وبعضهم الآخر ينفذها بإتقان وآخرون ينفذونها بإبداع وهؤلاء من يترقون في سلم وظائف صاحبة الجلالة، فيصبحون مدراء تحرير أو روساء تحرير وتتم استضافتهم في الفضائيات، ويصبحون مقررا يوميا على المواطن مشاهدته أو قراءة مقالاته بشكل يومي.

هل قرأتم يوميا الآية القرانية في سورة الشعراء: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ)، الشعراء كانوا هم الإعلاميون أو "الصحفيون" يسيرون بين القبائل ويروجون الأكاذيب وينشرون ما يريد المقاول أو صاحب العمل نشره، وقد كان أصحاب العمل قديما هم الخلفاء أو الأمراء "الرؤساء الآن" أو رجال المال والأعمال والتجارة أو زعماء القبائل "الأحزاب الآن" والأمر لم يختلف كثيرا الآن عن تلك الأزمان الغابرة، سوى في شيء واحد فقط، وهو أن الشعراء قديما كانوا يحصلون على مكافآت مالية عن كل قصيدة على حدة، وإذا لم يعطوا في قصيدة مدح مثلا ذموا صاحبها بقصيدة أخرى، أما الآن فقد فقد تم عمل عقد عمل لهؤلاء الشعراء "الصحفيين" فهم يعملون عند مالك هذه الجريدة أو تلك وينفذون تعليماته وأوامره وطريقة عمل الجريدة ومنهجها في تناول هذه القضية أو تلك، وما يهمهم فقط ليس حرية التعبير أو نقل الواقع كما هو، أو نقل هموم الناس وحل مشاكلهم، كذب من حدثكم عن كل هذه الأساطير وروجها لكم، إن ما يهمهم فقط هو نقل ما يريد صاحب الجريدة سواء كانت قومية أو حزبية أو خاصة، ما يريده هذه المقاول الكبير أو صاحب العمل فقط، وليس رأيكم أيها القرّاء والمواطنون، يختلف فقط خط الجريدة أو القناة الفضائية حسب طبيعة من يملكها، فإذا كانت جريدة أو فضائية أو موقعاً إلكترونياً يتبع الدولة فإن ما يهم من يعملون بها فقط هو إرضاء صاحب العمل وهو نظام الحكم في هذه الدولة من رئيس ورئيس حكومة ووزراء ووكلاء وزراء ومديرين، وكذلك الحال في الصحف الحزبية ما يهم هو رئيس الحزب ونوابه والأمين العام، وكذلك في الصحف الخاصة ما يهم هو إرضاء الملاك وما يريد الملاك نقله للقراء بناء على مصالحهم وارتباطهم بمنظومات حكم معينة سواء داخل البلد أو خارجه، فهم يعملون للتخدير على هذه المصالح فقط، ثم يتم إيهامك أيها القارئ المسكين بأن هذه الجريدة أو تلك تعمل لخدمتك ونقل الأخبار الصادقة إليك، وأنهم يسهرون الليالي من أجل نقل الحقيقة بعيدا عن تضليل الآخرين، بينما الجميع يضللك، ويسعى للسيطرة على عقلك، ليجعلوك تهيم معهم في واديهم، ألم تَر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون؟

أعترف لكم أن جميع الصحفيين والإعلاميين يعملون وفق هذه المنظومة، وليس أمامهم أي طريق بديل عنها، وأنهم يسعون بكل ما أوتوا من فصاحة وقدرة على الكتابة لإرضاء "صاحب المحل" الذي يعملون عنده، وليس نقل الحقائق إليكم، نعم هناك أخبار حقيقية وتحقيقات بديعة تنشرها الصحف أو الفضائيات وسط كم كبير من التضليل، ولكن ذلك يتم برغبة من "صاحب المحل" وذلك حتى يجعلك تتقبل تضليله لك بين الحين والآخر، لأنه نقل لك خبرا أو تحقيقا صحفيا بصدق في يوم من الأيام.

أعترف لكن أيضا، بأن جميع استطلاعات الرأي التي قمت بها أنا وجميع زملائي الصحفيين كلها كذب في كذب، وأنها ليست حقيقية، وأن العينات التي يتم استطلاع رأيها في موضوع ما يتم اختيارها وفق هوى ورؤية صاحب العمل الذي بيده وحده أن يدفع رواتب الصحفيين آخر كل شهر، وأن جميع هذه الاستطلاعات أو التحقيقات تمر بمراحل كثيرة من الفلترة والدبلجة، بداية من طرح الفكرة وحتى نشرها، وأنه يتم توجيهها حسبما يريد مالك الصحيفة أو القناة الفضائية، وليس كما هو الواقع المعاش، فإذا أراد مالك الصحيفة أن يظهر رضا المواطنين عن قرار معين، أو غضبهم من هذا القرار، كلّف رئيس التحرير بعمل استطلاع لرأي الناس حسب التوجيه المحدد، فإذا كان يريد إظهار الرضا تم اختيار عينات معروفة مسبقا من الكتاب أو السياسيين او الباحثين أو حتى الناس العاديين ونشر رأيهم، وحتى إذا تحدث شخص معارض لهذا القرار تم حذف ما يقوله للصحفي لاحقا في الديسك، أو إذا أراد أن يظهر غضب المواطنين من قرار تم اختيار العينة المقابلة والتي تعارضه وإخفاء المؤيدين، تلك هي الطريقة التي يعمل بها الصحفيون منذ نشأت الصحافة والإعلام، ولا توجد صحيفة أو فضائية محايدة كذب من حدثكم بذلك، فلكل وسيلة إعلامية غرض صدرت من أجله "والغرض مرض" كما يقول المثل الشعبي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.