المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح عبد الشكور Headshot

30 يوماً من التركيز

تم النشر: تم التحديث:

يعتقد البعض أنه لن يستطيع تحقيق أي إنجاز في حياته بسبب الضغوط التي يواجهها، أو بسبب الكم الكبير من اﻻلتزامات اليومية التي تحاصره، عمل وأسرة ومشاوير ومراجعات إلى قائمة ﻻ تكاد تنتهي من اﻷعمال والصوارف، فيتوقف حتى عن المحاولة لتحقيق أي أمرٍ ذي بال في واقعه، ومع مرور السنوات وهبوط مؤشر النجاحات واﻹنجازات في الحياة يصل المرء إلى قناعة مؤكدة أن ﻻ سبيل إلى تحقيق أي حلم أو طموح فيصاب باليأس والخمول ويغدو صفراً من اﻹنجازات، إن لم يكن قد تراجع عن مستوى نجاحاته السابقة.

لو أردت أن أستشهد بمثال في هذا الجانب أجد مثال تعلّم أي لغة جديدة ماثلاً أمامي، فمع زحمة اﻷعمال واتساع دائرة الواجبات، يقف المرء عاجزاً عن التقدم في هذا المجال، وربما كره المحاولة لفشله وإخفاقه في تحقيق حلمه، وفي واقع اﻷمر فإن ثمة عوامل كثيرة تجعلنا نفشل في تحقيق أهدافنا وطموحاتنا، وثمة عوامل أخرى أتقنها الناجحون وعرفوا أسرارها فوصلوا إلى بغيتهم، وحققوا ما أرادوا وسنصل إلى ما نصبو إليه لو وعينا الدرس كما يجب، والتمسنا توفيق الله في خطواتنا.

التركيز أحد أسرار النجاح، بشهادة كل المبدعين، وباعتراف كل المنجزين الذين حققوا نجاحات كثيرة وكبيرة في مختلف المجاﻻت، والتركيز بمفهومه العام هو تحديد هدف قصير المدى أو طويل المدى، يستحضره المرء بشكل دائم، ويعمل على التقدم نحوه بمثابرة وإصرار، متغلباً على كل الصعوبات والصوارف التي تواجهه مهما كانت، وأن يصر على الوصول مهما كان حجم التضحيات، وبمفهوم أدق التركيز هو أن تصبّ جلّ اهتمامك في زاوية واحدة ونقطة واحدة حتى تتمها بنجاح.

اضطررت ﻷخذ إجازة خاصة ﻹنهاء ما تبقَّى من بحث ظللت أعمل عليه منذ عام ونصف، أستطيع القول إني لم أركز فيه بالقدر المبتغى؛ بل كنت أعمل على إنجازه بين فترات متقطعة وحسب الظروف والأحوال والفراغات التي تأتي وتذهب سريعاً، فلجأت إلى تفرغ غير تام، وقمت بتقنين مدة اﻹجازة مع إيقاف جزئي لبعض المشغلات والصوارف، إﻻ بقدر ما تستدعيه الضرورة،

وهيَّأت نفسي للتركيز بشكل مكثف ﻹنجاز ما تبقى من البحث، وبعد ثلاثين يوماً فقط كنت أعد ساعاتها وأحاسب نفسي على انقضائها، خرجت بنتيجة مذهلة للغاية، فقد أنجزت بالتركيز خلال ثلاثين يوماً فقط أكثر من نصف ما أنجزته خلال سنة ونصف، بمعنى آخر أنني خلال شهر واحد استطعت كتابة 250 صفحة من بحثي الذي وصل في منتهاه إلى 450 صفحة.

لقد صدمتني هذه النتيجة، وعرفت أن السر في ذلك يكمن في التركيز، وتحديد الهدف، والعمل على تحقيقه بمثابرة ومغالبة، ومحاربة المشتتات أياً كانت، ومكثت أحسب بيني وبين نفسي ماذا لو خصصت 30 يوماً، وركزت فيه على تأليف كتاب كل عام، أﻻ أستطيع أن أؤلف كل عام كتاباً على اﻷقل، وماذا لو خصصت ستة أشهر، وركزت فيه على تعلم لغة ما أﻻ أستطيع أن أتقن تلك اللغة أو على اﻷقل أتمكن من أبجديات القراءة والكتابة والمحادثة بها، وماذا لو ركزت في يومي اﻹجازة اﻷسبوعية مثلاً على قراءة كتاب ما أو تعلم مهارة معينة، وهكذا تزاحمت اﻷفكار في خاطري، وأشعرتني بكثير من اﻷلم والحسرة.

ولكم أن تتخيلوا كم من المشاريع والبرامج والطموحات واﻷهداف الكبيرة والصغيرة نستطيع أن نحققها فقط لو "ركزنا" عليها، وأجلنا برامجنا اﻷخرى لحين اﻻنتهاء من المشروع اﻷول، ولنا أن نتخيل كم من السنوات والشهور واﻹجازات ضاعت دون أن نحقق شيئاً ذا بال أو نخطو خطوات نحو أهدافنا أياً كانت.

ومن تجربتي اليسيرة خرجت بأن التركيز على أمر ما يجب أن يكون محدداً وواضحاً ومرسوماً ومقدوراً عليه، وكل هذا يأتي بالتجربة ومعرفة الذات والممارسة العملية في الحياة، ولئن كانت المشتتات في السابق تعد بالعشرات، فقد تضاعفت هذه المشتتات مئات اﻷضعاف، وكلها تستهلك من تركيزنا وتأخذ من ساعات أيامنا؛ لنهدرها في متابعة المجريات اليومية وتقليب ما قال، وما قيل، وما سيقوله فلان، وفيما لو قاله كيف سيقوله، ومن سيرد عليه، ومن يناقشه، وهكذا ضاعت اﻷعمار وأصبحنا في صفوف المستهلكين الضائعين.

ركزوا جيداً -أيها الكرام- في خططكم وأهدافكم واحذروا الطمع في تحقيق كل الطموحات دفعة واحدة، وانتقوا من طموحاتكم وأحلامكم أعلاها وأسماها، وانطلقوا صوبها بتركيز، واحذروا التشتت، فإنه شقيق الضياع، وعيشوا مع أحلامكم وتطلعاتكم بتركيز أكثر، وسوف تكونون -بإذن الله- إلى النجاح أقرب.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.