المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صلاح عبد الشكور Headshot

الحياد في الإعلام أن تنحاز

تم النشر: تم التحديث:

عشرات اللقاءات والدورات التي تناول فيها المهتمون بالإعلام ما يسمى "الحياد الإعلامي"، ولهذا الموضوع مواسم معينة يبرز فيه بشكل كبير لدرجة أن يشتغل به الناس به، حتى أولئك البعيدون عن المجال الإعلامي، أحد هذه المواسم حال وقوع بعض الأحداث الجسيمة كالحروب والصراعات والانقلابات وغيرها، مما يثير انتباه الرأي العام محلياً أو دولياً.

فيأخذ الحديث في هذا الموضوع أبعاداً شتى وتحليلات كثيرة، ربما وصلت إلى حد الاتهام بأن ثمة انحيازاً وقع في التغطية الإخبارية لتلك القناة أو الصحيفة، أو "حياداً" يظنه البعض قد نجح في تطبيقه قناة أو صحيفة أخرى.

وهكذا تتفاوت التحليلات وتظهر بجلاء في مواقع التواصل الإعلامي التي أتاحت التعبير لكل الشرائح، وسهلت إبداء الرأي حول أي ملف أو قضية تشغل العقل الجمعي لمجموعة من الناس، وكثيراً ما تنهمر تحليلات الجماهير على أداء المحطات الفضائية عند حدوث أي حدث كبير، كونها الأسهل والأظهر لعامة المتابعين ولصعوبة التكتم عن التوجه العام، وخط الانحياز في الكم المتوالي من الأخبار والاستضافات وزوايا المعالجة الإخبارية للأحداث.

ما زلت أتذكر مختصاً في الإعلام كان يشرح أثناء دورة تدريبية كيف يكون الإعلامي محايداً، ويضع المعايير والشروط، متحدثاً عن الأخلاقيات التي يجب أن يتحلى بها الإعلامي في نقل الأحداث والوقائع، وبعد فترة من الزمن فاجأنا مختص آخر في الإعلام في دورة تدريبية مماثلة حين قال: "لا وجود لما يسمى بالحياد في الإعلام".

بعدها ظللتُ أبحث وأفتشُّ عن هذا "الحياد" في الإعلام أو لِنقُل: في الممارسة الإعلامية، سواء كان العمل الإعلامي خاضعاً تحت أجندة مؤسسة أو نظامٍ ما، أو مستقلاً في بوتقة خاصة، كما يحصل الآن في الإعلام الاجتماعي الرقمي، وقبل أي حكم على إمكانية تطبيق فكرة الحياد في الممارسة الإعلامية دعونا نعرف المراد بالحياد.

ووفقاً للمختصين في الإعلام فإنهم يعنون بالحياد أن يتجرد الإعلامي أو المؤسسة الإعلامية من أي موقف حيال نقل المعلومات أو الأحداث أو الزوايا التي يعالج من خلالها الأخبار والالتزام التام بالدقة المتناهية في ذلك دون بتر أو اجتزاء أو زيادة أو ميل نحو رأي بعينه، هذا مجمل ما يعنيه المختصون في الإعلام في مسألة الحياد.

والسؤال هنا: هل يمكننا أن نتصور إعلاماً أو ممارسة إعلامية محايدة بدرجة مائة في المائة؟

وقبل الإجابة دعوني أتساءل، والأسئلة يولد بعضها بعضاً، ومن رحمها تولد الحقائق: هل الإعلام ووسائله أدوات تتحرك بذاتها أم هناك من يحركها ويلعب بخطوطها وخطِّها وخُططها؟ وأيضاً: هل من يدفع كل هذه الأموال الطائلة في مجال الإعلام، وخصوصاً الإعلام المرئي، هل ينفقها لينقل إلينا الحقيقة فقط ويعلمنا الحياد في نقل الأخبار والأحداث فقط؟ وإذا سلمنا أن هذه الوسائل تتحرى الحيادية فيما ترسل من رسائل وتطرح من أفكار، فهل يا تُرى ترسلها من أجل تلك المعلومات والأخبار فحسب؟ أم أن هنالك أهدافاً خفية وراء هذه العملية؟

سؤال آخر: هل من يقوم على هذا الإعلام أو ذاك ويموله استطاع أن يتجرد من إنسانيته ليخفي كل ميوله وكل رغباته وتطلعاته؟ أتوقع أن الإجابة عن هذه الأسئلة ومثيلاتها توضح لنا إن كان هنالك فعلاً ما يسمى بالحياد في الإعلام، أم أنها أوهام سيقت للناس، مع إيماننا أن هنالك نسبيةً في مسألة تطبيق المهنية وأخلاقيات العمل الإعلامي بكل أشكاله.

طالما أن الإنسان لا يستطيع أن يتجرد عن مشاعره وأحاسيسه وعقائده وانتماءاته، وطالما أن الإنسان مفطور على موقف يتخذه من أي أمر، فلا إشكال وقتذاك أن نقول: الإعلام هو الإنسان بكل طبائعه وغرائزه وميوله، وليس ثمة إعلام مجرد عن هذا أو بعضه، فالحياد في الإعلام أن تنحاز؛ لأنك لا تملك غير الانحياز.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.