المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف صلاح الدين حسان Headshot

شكراً.. لأنك بِعتني وقتك

تم النشر: تم التحديث:

إذا كان من المناسب أن نطلق مصطلحاً يعبر عن جوهر هذا العصر فلعله "الوقت".

الوقت ذلك الشيء المحسوس الذي تمر من خلاله تفاصيل حياتنا، سواء التي عشناها سابقاً، فنطلق عليها "الماضي" أو "التاريخ"، فترى الأمم في هذا العصر قد اهتمت بتفاصيل تاريخها، وأبرزت منه ما تتفاخر به.

فتستمد الشعوب من ماضيها منجزاتها الفكرية والحضارية ومنجزاتها التوسعية (العسكرية)، وتستحضر تلك المنجزات كسلاح ثقة في وجه تحديات الحاضر والمستقبل؛ لتجعله قاعدة وأساساً في صناعة ما يميزها عن باقي الأمم.

أما المستقبل وهو جزء آخر من تلك المنظومة، فهو يمثل الآمال والطموحات والأحلام.

المستقبل هو الدافع لعمل الإنسان وجهده، فالمحكوم عليه بالإعدام مثلاً ينعدم لديه الإحساس بالمستقبل، فلا ترى له توهجاً أو نشاطاً.

أما تفاصيل حياتنا التي نعيشها وما يطلق عليه اصطلاحاً "الحاضر" وهو الجزء الأهم من منظومة الوقت.

وهو الجزء الذي تقع عليك مسؤولية صناعته وإدارته، وهو الذي من خلاله تستطيع صنع مستقبلك القريب، فوقتك هو كنزك الخفي عنك، الظاهر للمقابل، فيدرك قيمته الخفية عنك.

ولذلك الكل يتكالب ليأخذ شيئاً من وقتك (حاضرك)، وليظفر بشيء من كنزك الثمين، فكثير من الأشياء في هذا الزمان أصبحت تقدم مجاناً أو على أقل أنها تبدو لنا مجاناً، فمثلا يمكنك أن تجلس أمام التلفاز أو الإنترنت أو تتجول في المراكز التجارية لساعات طويلة من دون أن تدفع قرشاً واحداً، ولكنك في الحقيقة تدفع ثمناً (وهو وقتك).

من وجهة نظرك قد يكون بخساً، ولكن من وجهة نظرهم فهو ثمن يستحق أن يعمل من أجله، بل ويوظف ويدفع مالاً لموظفين وشركات لا لشيء إلا ليأخذ جزءاً من وقتك، فوقتك يعني تسويقاً لمنتجاته، سواء المادية منها أو الفكرية، إنه زمن جمع الأنصار والحلفاء والجماهير لكسب الشهرة ومن ثم المال أو الجاه.

نعم إنه زمن يجعلك تشتري شيئاً رخيصاً مقابل ثمن باهظ، ويشعرك أنك أنت الرابح من تلك الصفقة الخاسرة، فالقناة التلفزيونية تدفع أموالاً طائلة مقابل أن تجذب انتباهك وتأخذ حيزاً في حياتك، وكذلك المواقع الإلكترونية تبذل الجهد والوقت من أجل نفس الهدف، وكذلك حال المراكز التجارية التي تبنى وتزيين وتدفع أموالاً لا لشيء إلا لتأخذ بضع ساعات من وقتك.

نعم لأنه إن أخذ وقتك، استحوذ على اهتمامك، وبالتالي أصبحت على الأغلب تحت السيطرة يوجهك شعورياً ولا شعورياً؛ حيث يشاء، ومن ثَم يصنع مستقبله ويحقق أحلامه وطموحاته من خلال شرائه لوقتك الحاضر.. فهل ما زلت تعتبر تلك الصفقة رابحة؟!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.