المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف صلاح الهيتي Headshot

هيت.. مدينة الفيسبوك وسفينة نوح والأصول

تم النشر: تم التحديث:

تغفو على نهر الفرات وفي أقصى أحضانه تتربع، يظن أهلها أنها مدينة ليست كغيرها، فمنها أخذ سيدنا نوح القار لسفينته، ومن أهلها تعلم كيف تُصنَع السفن، وليس لديهم شك أن أجداد نجاري القوارب الموجودين الآن في هيت هم من أسهموا في بناء تلك السفينة الخالدة، وأنَّ النخلة التي أُمرت مريم ابنة عمران بهزها؛ ليتساقط عليها الرطب الهيتي جنياً، من نخل مدينتهم، فإن لم تكن منها فهي ضمن الشريط الجغرافي لمدينتهم.

ومن حقائق التاريخ التي لا مراء فيها عندهم أنَّ سيد آلهة قريش والعرب هبل قد أُخذ من هيت، وأنه عندما كُسرت يده جعلوا له يداً من ذهب؛ لأن تراب مدينتهم التي صُنع منها هبل لا يعدله إلا الذهب، وبذلك هم يفخرون بحفاظهم على أصول البشرية والديانات.

نهر الفرات يختلف طعمه حين يدخل حدود مدينتهم، فهو أكثر عذوبة في هذه المدينة وأسرع جرياناً، وخواصه تلك يغيرها حال خروجه من حدودها، فتربتها وهواؤها مختلفان وهو ما جعل للنهر فيها خاصية مختلفة.

لذلك كانت الجنائن المعلقة في بابل تأخذ المياه منه، واستحقت أن تكون عجيبة من عجائب الدنيا السبع، وليس هناك سبب آخر لاختيارها ضمن العجائب إلا أن مياهها من مياه تلك المدينة.

هي أقدم مدن الأرض بعد دمشق، ومخطوطاتهم التاريخية تشير إلى أن هيت جغرافياً تابعة للشام وليس للعراق، فهم يفاخرون بستيف جوبز، مؤسس شركة آبل، ذي الأصول الشامية، وقد حزنت المدينة أيّما حزن على وفاته، وكانت حياته وكفاحه حديث المدينة لأشهر، فلا بد أن مر أحد أجداد جوبز بمدينتهم وشرب من مائها وأكل من ثمارها وإلا من أين أتته تلك العبقرية؟

إلا أنهم يعشقون ويستخدمون الجلاكسي لا الآيفون كونه أول الداخلين لمدينتهم لأسباب اقتصادية بحتة، وهم يفضلون الفيسبوك على تويتر كونه الأقدم والأصل في عالم التواصل الاجتماعي، وأن تويتر يختصر الكلام ولا يفي بالتفاصيل التي يعشقونها لحد كبير.

ثمار المدينة ونخيلها مختلفة عن كل ثمار مدن العالم، فهي من الأصول والبطون لسلالات عريقة صافية العرق والنسب، وهذا ما يميزها بطعم مختلف وشهرة كونها نزلت من الجنة مع نزول سيدنا آدم عليه السلام، فعندما نزل إلى الأرض نزل في مدينتهم، وكانت هذه الثمار معه، وهم يهتمون بأنساب هذه الثمار، وخصوصاً النخيل، يعرفون حسب ونسب كل نخلة في المدينة، من هي أمها، وأين كانت زراعتها أول مرة، وكيف تحولت لمكانها الجديد.

نواعيرها التي تسقي هذه البساتين الممتدة على جانبَي المدينة باقية بقاء المدينة، فهم يعتنون بها ويقولون إنها تكلمهم، ففي فترة السقي لا يفارقونها حتى تنتهي فترة الإرواء، كونها تستوحش وتصدر أنيناً حزيناً، إلا إذا جلس قربها أحد الفلاحين.

وقصة التفاحة الشهيرة التي أكلها والد الرجل الصالح عبد الله بن المبارك، الذي يقع مرقده في المدينة الآن، وقعت في هيت، وتلك التفاحة من بساتينها، إلا أنهم لم يجدوا أثراً تاريخياً يحدد في أي ضفتي النهر كان ذلك البستان.

فيها سور وقلعة كبيران حصينان باركهما خالد بن الوليد بأن أدخل الإسلام فيها، ولولا تعاون أهلها الأصليين معه لما اقتحم سورها الحصين ولو جلب كل جيوش الأرض معه، فسورها أشهر وأقدم من سور الصين، ويتميز بأنه يحيطه نهر الفرات من كل جوانبه، فهو محصن بقداسة هذا النهر.

حجر الكعبة الأسود قامت بإنقاذه امرأة هيتية، حين رمت بالرحى على جنود أبرهة الحبشي وهم يحملون ذلك الحجر المقدس من فوق السور.

كل الحروب التي توالت على المدينة لم تقصف بطائرة حربية أبداً، أهلها يتناقلون فيما بينهم أن الطيار لا يرى المدينة حينما يحلق فوقها، فهو يراها قطعة ماء فقط ولا يستطيع أن يصل لأهدافه فيها، وظلت هذه الظاهرة العجيبة مجهولة عند الكثير، ولم يجدوا لها تفسيراً منطقياً.

فيها أمهر سباحي العالم، ومن لم يتعلم السباحة في نهرها على يد أحد الرجال المختصين في تعليم فن السباحة فلن يصبح يوماً ما سباحاً.

وبركة الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حلت بها، وهناك مسجد شهير باسمه يطل على النهر، وتقول محكياتهم: إن الخليفة منع منارة هذا الجامع من السقوط حينما رممها من أموال المسلمين، فهي منارة أخذت أهميتها من أهمية المدينة، ولولا أصولها القوية التي بناها البناءون من أهلها لما صمدت واقفة حتى يومنا هذا، فبناؤوها من أمهر البنائين في العالم، فهم من ساهم في نحت وبناء أول مسلة في التاريخ، مسلة حمورابي، فهم المهرة الأصليون بهذه الصنعة.

ورغم تفاخرهم بأن الأمية فارقت مدينتهم منذ زمن الكتاتيب، وأن عدد حمَلة الشهادات العليا فيها يعادل نفوس مدن أخرى بأكملها، فإنهم يفضلون العطارين على الأطباء، كون الدواء أصله من أعشاب الأرض، فهو الأصل إذن وهم أهل الأصول.

كل أهل المدينة يعرفون الكل ومن لا يعرفه أهل المدينة فهو وافد لها وغريب عنها، يلقى فيها كل الترحاب والحفاوة، فأهل المدينة يعرفون أصلك وحسبك وعائلتك ومن ذهب بخطبة والدتك، وكم كان مهرها، وأي أنواع السيارات التي ركبت فيها في زفتها لبيت زوجها حتى لو تقادمت السنون على ذلك، فهو أمر هام وتاريخ مجيد لا يجب نسيانه ولا يمكن لأحد في المدينة ألا يعرف هذه التفاصيل.

عجائز المدينة هن من ابتكرن قصص ألف ليلة وليلة وسرقت من أفواههن بعد ذلك، فالنساء فيها متعلمات من أصول العلم وحوادث الدهر، وهن محنكات من حنكة عجائز المدينة.

فيها عوائل كبيرة وعريقة، ومن أهالي المدينة الأصليين من اليهود ما زالوا يسمونهم بيت اليهود، ومساكنهم علامات دلالة في المدينة رغم دخولهم الإسلام منذ عشرات السنين، فهم يحبونهم ويحبون تسميتهم بأصولهم اليهودية، ولا يمكن لهيت أن تكون تلك المدينة المدنية إلا بهم.

مجانينها يلقون رعاية خاصة وفريدة، فأي مجنون يجلس في باب أي من بيوتها يجد حاجته دون سؤال من مطعم وملبس، ورجال المدينة الكبار يقربونهم منهم في المقاهي والأسواق، ويسدون لهم النصح، ألا يأخذوا مالاً أو يأكلون طعاماً إلا من أهل المدينة حصراً وأن يبتعدوا عن الأغراب مهما كان السبب، فهذه أصول المدينة وعاداتها، والمجانين جزء من هذه المدينة، يتوجب عليهم حماية صورتها والحفاظ عليها بكل طريقة ممكنة.

الرجال الصالحون من ذوي النسب الشريف في مدينتهم لهم مكانة عالية مرتفعة، فهم من أصول تعود للرسول صلى الله عليه وسلم، وكراماتهم تسير بها الركبان وتعتبر مصدر فخر لأهل المدينة.

لهجة المدينة من أغرب اللهجات وأندرها وأكثرها قرباً للفصحى البيضاء، ولا يسمحون لأحد أن يجادلهم بذلك، ويكتبون بلهجتهم قصائد وأناشيد في المحافل الدينية والفرح والحزن.

ورغم اعتزازهم بالأصول والأنساب، فإن اسم العشيرة محرم عليهم، ولا يمكن أن يزيل اسم أي هيتي باسم عشيرته، بل إن العشيرة وأفخاذها وأصولها ومرجعيتها هي للمعرفة الشخصية، وإن لم يتبع اسمك لقب الهيتي فأنت خائن متنكر لهذه المدينة وأهلها ذوي الأصول.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.