المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف الإسلام السيد صبحي  Headshot

مذكرات طالب معتقل "الأخيرة"| عودة الطالب

تم النشر: تم التحديث:

انتصف يوم السادس عشر من مايو/أيار، سمعت صوتاً يؤذن بالرحيل منادياً: "ترحيلة، اجهز"، أنهيت ما كتبه الله من البقاء في هذا المكان، انتهيت من دروس الحياة التي علموني إياها، وأنهيت معها ما فتح الله من العلم كي أعلّمهم إياه وكلها كانت دروساً في مبادئ الإسلام وكيف تقام الصلاة والوضوء!

لا أخفي أني قد تعلمت منهم كثيراً، فكنت مؤمناً تمام الإيمان أن الله لا يضيعني في مكان إلا لسبب، ولما كان سعيي دائماً أن أسير في طريق العلم والمعرفة حسبت منذ أن وطئت قدماي هذا المكان بعد تعذيب شديد لم ألقَ مثله في حياتي قط أنني هنا لمهمة، عرفت أن هناك مكافأة من الله لي في هذا المكان، وهل هناك مكافأة أفضل من تعليم الناس وتلقّي العلم؟!

كلا قد سمح لي اتساع الوقت والمكان أن أنهي مراجع لم أكن لأنهيها لولا وجودي في هذا المكان المغلق تماماً.

عرفت مجتمعاً آخر، عوالم أخرى، لا يعلم عنها الإسلاميون شيئاً، أناساً وُلدوا في قلب الإجرام واعتادوا عليه، ولم يجدوا من يخرجهم من ظلمة الإجرام إلى نور الحياة، أحسست في كل دقيقة قضيتها معهم بالتقصير كيف كان هؤلاء يعيشون بيننا ولا نبذل قصارى جهدنا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الإجرام إلى عدل الله ومعرفته، تألمت كثيراً لفراقهم لكن ألمي الأكبر أن يحيد هؤلاء عن الطريق، كذلك دعاة السجون دوما.. فاختلاط الإسلاميين في سجون مصر بمن لاقوا من الجنائيين جعل تحوّل كثير منهم لطريق آخر، حتى إن ذلك أغاظ النظام فقرر فصلهم عدة مرات.

نزلت إلى باحة السجن تصحبني أمتعتي، وما أمتعة الطالب سوى كتب ثقال العلم وبعض من الملابس ذات اللون الأبيض الذي مللته حتى ظننت أن البياض لون العتمة والظلم، يزين يديّ قيد حديدي قد صُنع في بلد آخر غير بلدي استورده جلادوها حتى يقيدوا به كل من ناصر الحرية يوماً!

أتت العربة الزرقاء والشمس تلفح صفيحها وعرفت أنني في هذه المرة سأُرحّل مع مجموعة من المساجين الجنائيين وكلهم من ذوي الأحكام -يلبسون اللون الأزرق- وكل بأمتعته.

بلغ العدد حوالي عشرين مسجوناً وسياسي واحد هو أنا، صعدنا سلّم العربة في تكدس ودفع من ذوي الأجسام المنزوع منها كل فهم وعقل حتى أغلق الباب، فأحسست أنني في قفص قد رُمي إلى البحر فحاصرته الخنقة من كل مكان، وبدأ النقاش يدور بين هؤلاء واحتد في مواضيع لا أفهم عناوينها، كل كلامهم يدور في المخدرات ومعاركهم مع المباحث، ويتفاخرون بأن أحداً منهم قضى يوماً أو يومين في الانفرادي ويتفاخر الآخر بأنه قد ضُرب ضرباً مبرحاً ولم يتفوه بكلمة "آه" ودقائق في حياتهم تجعلني أحمد الله ألف مرة أنني اعتقلت مع السياسيين رغم حدة التعذيب.

وانطلقت العربة الزرقاء تهيم في طريق لا أهتم أن أعرف وجهته هذه المرة، فأنا أعرف إلى أين يسير ولا آبه لقيدي الذي قد ضيق الخناق على الدم في يدي كما ضيق السجن على حريتي.

مررت في هذه الرحلة بـ4 سجون، أولها أشهر سجون مصر "طرة" الذي سكنه كل الناس في مصر، الكل مروا منه، ألقيت عليه نظرة من شباك العربة الزرقاء وانصرفت إلى كتابي الذي أمسكته بكل صعوبة من خنق القيد أو من زحام المكان، سارت العربة في شوارع القاهرة "المحروسة" وما أصعب أن تراها من شباك العربة الزرقاء!

وإذ بأحدهم تسيل عبرته ناظراً من الشباك، حتى تنبهت له فسألته: "لِمَ تبكي؟" فردّ آسفا: "أسكن هنا، هنا بيتي ومنطقتي التي ولدت وتربيت فيها، هنا تسكن أمي العجوز التي لا تقدر أن تزورني بسبب عجزها"، سكتت أمام هيبة المنظر وتابعت النظر من شباك العربة والقراءة في الكتاب.

شوارع القاهرة من شباك عربة الترحيلات عجيبة، ملكني الشوق وقتها أن أسير في تلك الشوارع وأحتضن زحامها وأدقق النظر في مبانيها البالية التي علق في ذرات ترابها تاريخ من الدول، هنا حاكم قد ظلم فقُتل وهنا حاكم قد عدل فأكرم، وهنا مناضل قد هتف فسالت دماؤه فأعادت للأمة حقوقها، وهنا طالب للعلم ملأ الدنيا بالحكمة، وسار في شوارعها مغترباً يبحث عن كتاب أو درس قد تنقل بين أزقتها وحاراتها القديمة طلباً لشيء من الدفء والعلم.

هنا القاهرة! قد سطا عليها من لا همّ لهم سوى القتل وتقييد الحريات، قد آل أمرها إلى سفهائها وجهلائها، وقد سطا عليها كل خائن يبيع بلاده بثمن بخس.

نظرت آسفاً تكاد العبرات تسيل منّي أنا الآخر والناس في الشوارع لا يأبهون بتلك العربة ولا بمن فيها، حزنت ثم استنشقت عبير الأمل من حوائطها التي قد زينتها الشعارات الرنانة والهتافات كأني أسمعها تطل منها؛ إذ بعبارة تلمع في الأفق وتجعلني أحدث نفسي قائلاً: كل هذا سيزول حتماً وستبقى هذه الفترة من التاريخ ذرة من ذرات التراب العالقة في تلك المباني القديمة بشوارع القاهرة.

سارت العربة واخترقت الشوارع تحوّم حولها 3 عربات أخرى قد اكتظت بالجنود والسلاح، مررنا على السجون الثلاثة الأخرى، ولم يبقَ سوى الوصول إلى المحطة الأخيرة.

كان الوقت قد شارف مغرب الشمس ورسمت الشمس لوحتها الحزينة على سماء الحرية، فاستلهبت المشاعر، فذكرت في نفسي قدر الله بغروب كل ظلم واستبداد وكأن السماء تقول لي: يا هذا الضعيف إن كل همّ غارب وإن كل فرج آتٍ فاصبر.

كانت صورة حزينة أراقبها من شباك يمنع ضيق لكن هذا الأمل بقي وحلّ الظلام على العربة التي لم يبقَ فيها سواي حتى عمّ الظلام كل أرجائها وبت واقفاً على الشباك أراقب الطريق والعربات والناس، وإذ بهذا المشهد الذي ألِفته صغيراً وحرمني إياه السجن، إذ بهذا الرفيق الذي كنت أناجيه صغيراً، وأتحدث معه فأحس ببسمته حين أفرح وبعبوسه حين أحزن، كنت أعشق النظر إليه في ليالي نصف الشهر العربي، وأنتظره كي أتابع سيره وحركته ونموه إنه "القمر" ذلك الذي حرمني منه إغلاق أبواب السجن الخرسانية التي تمنع الهواء وكل شيء.

كنت فرحاً بهذا اللقاء ورجوت الطريق أن يطول حتى أستعيد ذكريات سعيدة قد قطعها ظلم الأسر.

ظللت في هذا اللقاء ساعات وساعات حتى عرفت أن العربة الزرقاء قد ضلت طريقها وربما أقضي فيها إلى منتصف الليل، ما همني أنني لم يدخل جوفي رغيف عيش واحد أو شربة ماء، لكني كنت سعيداً باللقاء مع "القمر".

وبالفعل وصلت إلى السجن بشمال البلاد في منتصف الليل، وإذ بالبوابات الضخمة تفتح والعسكر يتأهب لاستقبالي، استقبلني مجموعة لا بأس منها بتفتيش كل مقتنياتي خاصة الكتب، وكل ما كان معي، وما كان معي سوى القليل!

انتهت رحلة الامتحانات بدروس لم ولن أنساها ما حييت، مهما طال بي الزمان وطفت من البلاد هذه الرحلة التي أتذكرها كلما جلست في لجنة الامتحان بقسم العلوم السياسية، وأمسكت بالقلم لأكتب اسمي وفرقتي فوجدتني قد تأخرت عاماً.

إن تجربة السجن كانت مليئة بالحكايات والأحداث العظيمة لكني لم أكتب منها سوى رحلة الطالب إلى مقر امتحاناته التي لم يؤدها؛ لأنها مسّت رسالتي التي أعيش من أجلها رسالة "طلب العلم"، فالسجن ظلمة ووحشة واختبار ومفترق طرق يقف على نواصيها من ربما تلقي به المقادير في مهاوٍ لا ينجو منها، السجن مصنع ومدرسة وجامعة لكل من أخلص النية ووجد العزم، السجن علامة مضيئة لا تفارق المرء طيلة حياته تبقى ما بقي وتُذكر ما ذُكر، وتحيا معه ما حيا، تكاد ذكرياته لا تغادر ذهني في كل ساعة وفي كل جلسة وفي كل سفر أتذكر أدقّ التفاصيل ما أضحك وما أبكى، ما علّم وما وعى، ما أفاد وما آلَمَ، ما أسعد وما أحزن، يبقى أثره سواء في العقل بما أضاء أو في الجسم بما ترك من علامات وآلام.

انتهت تلك الرحلة بحلوها ومرها، وبقي الطالب ينهل مما فتح الله له في العلم يسعى فيكسب ويصيب ويغدق عليه العليم، قضيت بعدها في السجن تسعة أشهر انقطعت فيها عن السؤال عن الجامعة إلا من أوفياء ظلّوا على العهد، وخرجت من المعتقل لأكمل الدراسة الجامعية بوجه غير الذي قد بدأتها به، بعقل يعرف المقصد والمراد، والعدو من الصديق، ولكن قد ترك السجن أثراً في العقل غير الذي قد تركه في الجسد.

دخلت السجن صبياً فخرجت منه رجلاً وقد أحسن بي العزيز! وإنني أصوغ هذه الكلمات وأنا في عامي الجامعي الأخير وقد حدثت في عامي الأول فيها وأقسم أنني لم أنسَ أدق تفاصيلها!

وإن هذه ليست حكايتي فقط بل حكاية الآلاف من الطلاب المعتقلين قد كُتب عليهم السجن والانقطاع عن الجامعة، وإن ما حدث معي ليتكرر كل يوم في سجن غير السجن ومع طالب غير الطالب في تخصص غير التخصص، ولكن يبقى أن الظالم واحد والمستبد ذو منهاجية واحدة يعادي أهل العلم فيستفزهم، وإن هذه الحكايات إلى زوال كما أن الاستبداد -مرض هذه الأمة- إلى زوال، وإن صوت الطالب في زنزانته سيبقى ويُرفع في ميادين الجهاد العلمي منتصراً على كل استبداد وسلطوية.
انتهت مذكرات طالب معتقل...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.