المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف الإسلام السيد صبحي  Headshot

مذكرات طالب معتقل "1"| لكني لم أجد لجنة الامتحانات

تم النشر: تم التحديث:

سرتُ في دهاليز المعتقل لا أعلم شيئاً عنه سوى أنه يشبه كل المعتقلات التي ولجت إليها جدرانه سوداء قاتمة قد اشتكت من كثرة ما لاقت من ألون الظلم والأنّات والصرخات التي أطلقت، كأنها قد طلته بلون السواد حداداً على تلك الأرواح التي أزهقت فيه جراء التعذيب الذي يلقاه أدعياء الحق وطلاب الخير، سرت لا يمتد سمعي سوى لأزيز القراء قد اخترق أذني في وقت القيلولة التي يعتاد أهل السجون عليها، فاطمأن قلبي بما سمعت، سرت إلى مجهول ينتظرني، ولم أكن أعلم أن في هذه المكان الجديد عالماً آخر وأناساً آخرين، عقولاً من نوع آخر، وكأن الإنسانية قد انتجت شيئاً جديداً اختصت به ذاك المكان.

دخلت الغرفة بعدما أنهكني تعب النضال ومصارعة المخبرين، وما أدراك ما مصارعة المخبرين! وكأنني خرجت من سرداب إلى عالم آخر استقبلني ثمانية من الرجال فحملوا الأمتعة وبدأوا برصّها في أماكن مخصصة لها، ألقيت نظرة على الغرفة فوجدتها كبيرة تحتمل 40 من السجناء بمقاييس السجن، وما وجدت فيها سوى عشرين يلبسون ملابس مدنية، لا علاقة لها بلباس السجن ولا ألوانه "الأبيض والأزرق المعروفين"، جلست صامتاً متأملاً لا أحرك شفتيّ، فقط أتطلع بوجوه هؤلاء النفر، وهذا المكان العجيب، فوجدت أربعة قد التفوا يعدون أنواعاً من الأطعمة، وأحدهم جلس يشرب الشاي والآخر يدخن سيجارة، وكبير لهم قد جاء ليتطلع في وجهي، وما راعني إلا صوت ذلك الشاب الذي ألقى عليّ السلام، ولم ينطق سوى بكلمة واحدة "أنا سياسي مثلك"، ففهمت أنه الوحيد الذي ينتمي لقضية سياسية، وأن الباقين من المساجين الجنائيين، ظل كبيرهم يتطلع في وجهي ثم سألني عن بلدتي التي جئت منها أو السجن العمومي الذي نقلني إلى هذا المكان، لم أرد عليه سوى بسؤال واحد: "أين أنا؟"، فأجاب بكلمة واحدة: "الخصومات"، ففهمت أني في ذاك المكان من السجن الذي يوضع فيه ذوو المشاكل والخناقات مع أقرانهم بداخل العنابر، وتأهبت لملاقاتهم.

جلست بجانب هذا الشاب الذي عرّف نفسه بأنه "سياسي"؛ لنتعرف إلى بعضنا البعض، فشعرت بشخصية غريبة تتحدث إلى وتصرفات أكثر غرابة تنم عن سر دفين قابع في داخل هذا الشاب، لكني بعدما تعاملت معه لم أجد منه سوى كل خير، غير أنه لم يكن ليقرب الصلاة حتى بعد إلحاح شديد ومجادلات؛ لأستشف منه أنه ليس من أهل الإلحاد أو من ذوي الأفكار الهدمية، ثم مللت من تلك النقاشات لأقنعه بالصلاة، حتى إذا جاء يوم الجمعة ووقفت خطيباً في هؤلاء الناس ابتعد عنا، وتحجج بانشغاله في الاستحمام حتى إذا فرغت الصلاة خرج، تعجبت أكثر فأكثر حتى اكتشفت منذ وقت قريب أنه (محمد...) صاحب قضية طائفية شهيرة ادعى فيها أنه تحول عن الإسلام للمسيحية، ثم رجع عن هذا القرار بعد خروجه من السجن.

جسلت لأستكشف هذا المكان أكثر وأكثر، فلم أعِر أحداً منهم أي اهتمام؛ لأني كنت مدركاً تمام الإدراك أني راحل صبيحة الغد إلى مقر أدائي للامتحانات، حسبما نبهني ضابط المباحث، جلست لأستجمع قواي وتجميع أوراق مادة "الاقتصاد الجزئي" التي كان من المفترض أن أؤدي فيه الامتحانات، لا أتذكر أني قرأت كلمة واحدة حتى غلبني النوم، استيقظت لصلاة الفجر هذه المرة دون أن يوقظني أحد كما اعتدت منذ دخولي للمعتقل، فقد كانت توقظني تلك الأيدي التي أشبعتها التربية حناناً وحباً وإتقاناً لمعاني الأخوة والتضحية، استيقظت لأصلي وأتجهز للرحيل حيث مكان الامتحانات الذي لا أعرف أين هو، انتظرت حتى الساعة الثامنة وهو وقت الترحيلات، كما هو معهود في السجون المصرية، وتجهزت كما عهدت طيلة فترة اعتقالي، وكان يوم الأحد الرابع من مايو/أيار مرت ساعات أنتظر فيها صوت الشاويش بقرب الترحيلة حتى كانت الساعة العاشرة، فسمعت صوت الشاويش ينطق باسمي، ويليها بكلمة "زيارة"!

استغربت الكلمة، وكأني لم أسمعها من قبل، وكأنها قد ألقت في نفسي حنيناً إلى الأهل وإلى حنان أمي ودعاء أبي وتثبيته، طلبت منه أن يعيد عليّ الكلمة ثانية، ورجوته أن يتأكد أنه "ترحيلة" أو "زيارة"، فأقسم لي أنها زيارة، وأن عليّ الاستعداد للنزول لملاقاة الزائر، دارت في رأسي كل الاحتمالات، ربما يكون صديقاً قد أتى لزيارتي، ربما أحد المسؤولين بالكلية، ربما لجنة الامتحان ستنعقد بالسجن مبكراً، كل تلك الاحتمالات قد دارت برأسي لكن دون جدوى؟ ولم أتعجل شيئاً قبل أوانه؟ ولمَ القلق؟ من المفترض أنه بعد ساعتين سأؤدي الامتحان؟ أين اللجنة؟ وأين الأوراق؟ وأين الطلاب الذين تجمعوا ليتناقشوا في أمور تخص العلم والامتحان والتوقعات، وأين مكالمة أمي وأبي ليطمأنا على استيقاظي قبل الامتحان بساعات كافية لأتناول الإفطار وأراجع المادة كما عهدت طيلة سنوات تعليمي؟!

فُتح باب الزنزانة الثقيل فوجدت مخبراً وشاويشاً واربعة من العساكر ينتظرون خروجي معهم، خرجت لملاقاة الزائر وفي يدي كتبي وقلمي متهيئاً للامتحان ولم أكن متهيئاً لزيارة قط، خرجت وكأني ذاهب لملاقاة ورقتي وأسئلة يتعرق لها جبيني وتعتصر لها ذاكرتي، تحوطني هراوات العساكر ويتقدمني مخبر وكأنه يتحسس الطريق، وسرنا في الدهاليز مرة أخرى حتى خرجنا منها، وانكشفت لنا الشمس من فوق أسقف السجن المظلمة التي تمنع الشمس والحب والحياة ورؤية السحاب ومناجاة القمر التي اعتدت عليها منذ صغري، انكشفت لنا الشمس، فانكشف معها أناس كثيرون، قد أقبلوا طمعاً في رؤية أحبابهم وذويهم تلفح حرارة الشمس في وجوههم، فتصير مزيجاً من الوجوه الحزينة المتعرقة المتشوقة لرؤية الأحباب، هذه أم قد انتظرت لساعات حتى ترى ابنها، وذاك أب قد انحنى ظهره من كثرة ما حمل لابنه من أمتعة وزاد، وتلك زوجة صابرة محتسبة قد جمعت في وجهها شعورين متناقضين شعور الشوق وشعور الإرهاق من طيلة الفراق، وهذا طفل شيّبه الانتظار لساعات أمام أبواب السجون، وذاك رجل طاعن في السن قد أتى لرؤية ابنه الرجل الذي فارقه مُكرهاً وهو في أشد الحاجة إليه، رأيت مشاهد متناثرة في مكان واحد تحوّطها سلاسل الظلم، وتحرسها عيون القهر المطيعة.

قاد المخبر هذا "الموكب" - أنا ويحوطني أربعة من العساكر صغار السن وشاويش - وسلكوا بي طريقاً لا يسلكه سوى "معتقل مشدد الحراسة"، فقصدت أن أسير في مشية التبختر، وكأن هؤلاء موجودون لحراستي وعدّلت من ياقة قميص السجن الأبيض، وسرت في هذا الموكب لأخترق صفوف الأهالي، وكأنهم يستقبلون ابناً لهم قد عاد من معركة قد ظفر فيها على عدو لدود، وارتفعت الدعوات مع اختراقي لتلك الصفوف، وبالطبع عرف الكل أني طالب من مقدار ما كنت أحمله من كتب العلم.

دخلت إلى مكان الزيارة، حيث تختلط الأصوات وكأنها تحوّم في عالم الشوق، الحب والأشواق وأسمى معاني العشق تتولد في هذا المكان بين هذه الأسلاك تذوب الكلمات الرومانسية تختلط دموع الفراق بفرحة اللقاء، هنا وردة تُقدم من زوج لا يملك سواها وراء القضبان، قد صنعها من ورق أو قطفها من حديقة السجن التي كنا نمر عليها أحياناً، واحتفظ بها في مصحفه ليقدمها هدية لزوجته الصبورة، وهنا أحضان تعصر أيام الفراق وتجتزئ منها دقائق، هنا فتى جلس ليحكي لأهله كيف يحفظ القرآن ويداوم قيام الليل، وكم من الكتب قرأ ونوارد الزنزانة، وسمرها الليلي، وراح يصبرهم بأن النصر قد اقترب، وأن خلاصهم قريب.. إلخ.

قرب لقائي بمن أتى ليزورني، وما زلت إلى تلك اللحظة أظن أنني مقبل على لجنة امتحان مادة "الاقتصاد الجزئي"، التفتت يمنة ويسرة، فلم أجد أحداً أعرفه، قلّبت في الوجوه إذ بي أرى هذه القامة التي لم تنحنِ لأحد، وتلك الكتف التي لطالما حملتني صغيراً، وتلك اليد التي لطالما أنهضتني وعلمتني السير في ركاب الحق، مهما عصفت بي صروف الدهر، تقدمت خطوة لأقترب وسط هذا الزحام، وكأن المئات قد سكتوا واختفوا من حولي، وما أرى سوى هذا الجبين الناصع الذي اقتديت في عدم انحنائه لطاغية ولا ظالم ولا مستبد، والذي ما رأيته إلا منحنياً لله، تلاقت الأعين فما إن التقتا حتى وثبت الأجساد وانتفضت الصدور واشتبكت الأذرع بالأذرع،

واحتكت الصدور بالصدور والضلوع، تكاد تتشابك من شدة الشوق، صمتت الكلمات إلا من نحيب قد غلبني وغلب هذا الرجل الخمسيني الذي قطع الطريق في تسع ساعات حتى دنا من هذا السجن، لم يتفوه أحدنا بكلمة للحظات، رغم أني ورثت منه فصاحة اللسان وبلاغته، فكانت عظمة اللقاء الذي سبقته أشهر من الفراق والبعد صبّرتني على الفراق بضع من الرسائل التي كانت تبعث في الأمل، لكن في هذه المرة نجلس سوياً، وكأننا على "طبلية البيت"، بدأت حديثي معه عن الامتحانات، أتيت لها وقطعت الساعات في عربة الترحيلات ذات الصفيح الحارق طلباً للعلم، أعلمني بذاك الخبر الذي نزل عليّ كالصاعقة أنني لن أؤدي امتحانات هذا الفصل الدراسي، فقد رفضت إدارة الكلية هذا الأمر، رغم قبولها الرسمي به، رفضت الكلية إرسال لجنة إلى السجن،

وادّعت أنها لا تدرى مكاني، ولم يُرسل لها أي إخطار رسمي بذلك، وتفوّه أحد المسؤولين في إدارة الجامعة بأنه لن يمتحن سيف الإسلام؛ لأنه إرهابي! وأنهم هدّدوا الطلاب الذين تضامنوا معي بالفصل أو أن يلحقوا بمصيري إذا دعا إلى ذلك الأمر، تلقيت كل تلك الأخبار في صدمة يغلبها الصبر والتظاهر بأنه أمر عادي حدث مع كثيرين بداخل السجن من الطلاب، وفي عقلي يتمثل سيناريو التخلف دفعة عن أقراني، وما سأصير إليه بعد أعوام، أزال هذا كله لُقيا الحبيب "أبي" ليس هذا الرجل عادياً، حدّثني عن أب يزور ابنه بداخل المعتقل فلا تنطق شفتاه إلا بكلمات التثبيت والتأييد والتشجيع على السير قدماً في هذا الدرب، أحدثك عن كلمات أبي المثابر قد خرج من المعتقل لتوه ليزور ابنه المعتقل أيضاً بعد فراق لشهور لم أكن لأقترب من مكان اعتقاله خشية لحاقي به، أحدثك عن دروس الجهاد والصبر والتذكير دوماً بأن هذا درب المصلحين والمجددين والعلماء والصالحين، والذين أنعم الله عليهم بصحبة النبيين والصديقين، حدثني أبى بدنو أجل الظالمين، وأن هذا قدر محتوم وطريق وعر محفوف بالمكائد والمصائب، لا بد أن نسيره لنبلغ دعوة الله في أرضه.

تحدثنا عن أشهر مضت لم نكن نرى بعضنا فيها، وكيف غيّر الله الحال وتبدّل الأمر، هو معتقل الأمس وأنا سجين اليوم في ضحك واستخفاف بالأمر وتهوين له، والدموع تنهمر والابتسامة ترتسم على الشفاه والعيون الباكية التي أضحكتها حلاوة اللقاء.

أقسم أن تلك الكلمات لا أنساها وإن طال بي العمر أو كثرت بي الأحداث أو تغيرت بي الأرض، فأب مكلوم يلقن ابنه الوحيد دروساً في الثبات وحب الجهاد والتضحية والبذل.

طال بنا الحديث حتى وصل قرابة الساعة أقسم أنها من أفضل ساعات عمري وأشدها عذوبة، رغم أن مكان الزيارة كان مع محكومي الإعدام في مكان معزول، لكن رؤية أبي قد عزلت المكان من حولي وحوّلته إلى جنة خضراء لا أرى فيها سوى هذا الوجه الباسم، لم يخترق هذه الحلاوة سوى هذا الصوت الناعق يُنهي الزيارة، انتهت تلك الجلسة ذات الشجون ولم تأتِ لجنة الامتحان وانتهى وقت الامتحان، وإذ يأتي قرار يُخيّرني أن أبقى في هذا السجن شهر تحت طلب أن ترسل لي الكلية لجنة امتحان - وهو بالطبع ما لن يكون - أو أن أُوقع بالقوة طلب ترحيل إلى سجني حيث القرب من بلدتي في شمال البلاد، وأستعوض الله في امتحاناتي وفي السنة الدراسية، أعود بخفي حنين ولا ألحق بزملائي في نفس العام الدراسي.

نتبع الحكاية في بقية مذكرات الطالب..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.