المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف الإسلام السيد صبحي  Headshot

مذكرات طالب معتقل "2"

تم النشر: تم التحديث:

دخلت إلى مكان مجهول لا أعلم فيه أحداً، فهو في جنوب البلاد التي أعيش في شمالها، زرت تلك المدينة قبلها بشهور في رحلة مع أصدقائي نكتشف جمال الحياة، وإذ بي بعدها بأشهر قليلة أكتشف قُبح المكان ووحشته، فالحياة من شباك عربة الترحيلات غير الحياة العادية، السجون قبور متنقلة تُدفن فيها كل معاني الإنسانية، وتطمس فيها البراءة، وتتلاشى فيها أقل معالم التفاؤل.

سِرت في دهاليز المكان المجهول تتطلعني أعين الظالمين بتدقيق، حتى وصلت إلى أحدهم ففتشني وأفزعته منظر الكتب برفقتي فسار يقلب فيها يميناً ويساراً، ولا يدري شيئاً مما يحمل، وراح يسب التعليم والعلم وحامليه مُدعيّاً أنه يدري كل ما فيه، ففوجئت أنه يحمله معكوساً!

رأى كتباً باللغة الإنكليزية فراح هائجاً بصوته متهكماً؛ لأنه غير قادر على فهم عنوان الكتاب، ثم صرفني من عنده معلناً نجاح مهمته في التعرف على كل سطور الكتب التي كنت أحمل!

سِرت في دهاليز المكان لا أدري شيئاً، ثم خرج عليّ معتقل طويل القامة ضخم الجثة طويل اللحية وبابتسامة مطمئنة تعرّف عليّ؛ ليُعلمني السجان أن في هذا المكان سأمكث مع هذا الرجل الذي يُدعى الشيخ، دخلت إلى تلك الغرفة تعتريني الدهشة، أتفحص الجدران فما وجدت سوى ورقة كُتب عليها (أنس شهيد - يوليو/تموز 2013 أحداث المنصة)فوقفت أمامها محدّقاً ليقاطعني بكلمته (أنس ابني الله يرحمه) وأخوه الصغير معتقل أيضاً، لكنه دون سن الثامنة عشرة فاختاروا له معسكر أمن مركزي؛ ليكون مكاناً لاعتقاله.

سكتت من دهشتي ولم أستطِع سوى التمتمة بكلمات لم يسمعها الرجل، وما إن بدأت في الراحة بعد الرحلة الشاقة حتى سمعت صوتاً غليظاً يصيح باسمي، معلناً رحيلي من تلك الغرفة التي لم أمكث فيها سوى دقائق معدودة، سرت في الدهاليز الغريبة مرة أخرى أحمل أمتعتي البالية وحقيبة الكتب التي لم أملّ أبداً من حملها؛ لأنها الرسالة التي أعيش من أجلها، وأتحمل كل تلك المشقة لنشر ما فيها.

أوقفني السجّان أمام بوابة غريبة كُتبت عليها عبارة أشد غرابة لم أقرأ مثلها في حياتي (عنبر التشهيلات) - عرفت بعد ذلك أن هناك مصطلحات خاصة بالسجون - بعبورها تكون أمام 6 زنازين أمام مدون على باب كل منها حرف هجائي عربي (أ - ب - ت - ث - ج - الأوضة الكبيرة "يعني الحجرة الكبيرة") لم أُحرك ساكناً وأحسست لو أنني في مشهد درامي في أحد أفلام هوليوود؛ حيث الوقوف بغير دراية وتدور الدنيا من حولك، وتكون أنت محور الدوران، زاده إثارة منظر السجان وهو يفتح الزنزانة (ت) ويقول لي بالعامية المصرية: خش هنا "ادخل هنا"، وقتها لو وقفت كل كاميرات العالم أمام تعابير وجهي ما استطاعت تصوير تلك الدهشة الممزوجة بالسخرية وعدم التصديق، لم أرِد سوى بكلمة واحد: لا ومليون لا. كانت الزنزانة قبراً ذا جدران إسمنتية سوداء عرضه متر، وطوله 3 أمتار، لا تسكنه غير العناكب وجردلين أحدهما للمياه، والثاني لقضاء الحاجة، أقسم أنني لم أحرك سوى شفتي بتلك الكلمات وبقيت مذهولاً دارت بي الدنيا حتى دخلت هذا القبر لأتفحصه فما وجدته سوى قبر حقيقي مُحكم الإغلاق ليست به نوافذ لا يدخله سوى شعاع نور يأتي من مصباح قد عُلّق بعيداً عن الزنزانة، عرفت أنها زنزانات التأديب التي كانوا يرهبوننا بها مُصراً على رفضي الدخول في هذا القبر ورغبتي في المكوث مع المعتقلين السياسييين فرد عليّ بأن تلك أوامر المباحث بوضعي في هذا المكان، أوضحت له أني طالب وهذا المكان لا يصلح لجيفة، فردَّ بالكلام الذي يعي: أوامر.

رفضت الأوامر، فاستدعى سجانين آخرين قاما بالقوة بدفعي إلى ذلك القبر في ظل مقاومة لم تفلح، أُقفل باب القبر وصارت العتمة صاحبتي جلست لا أحرك ساكناً، أتفكر في الوجود والمحسوسات ودارت بذهني مسائل فقهية، فما بادر وجهي سوى ابتسامة، وأحسست أنه لا سبيل للخروج سوى المقاومة، ولو بقليل ما أملك (صوتي!) صار الهتاف سلاحي حتى فزع من في المكان وجاءوا مسرعين ماذا تريد؟

لم أردّ سوى بعبارة: الخروج من هنا، وما إن زادت النبرة حتى فُتح الباب واقتدت إلى غرفة ضباط المباحث، غرفة فارهة مُجهزة بكل سبل الراحة من مكيف للهواء وطعام مجهز وتلفاز وعسكري خادم، دخلت عليه فسألني ما اسمك؟ أجبت: سيف الإسلام وأنا طالب علوم سياسية أتيت إلى هنا فقط للامتحانات ولا أستحق أي من تلك المعاملة الحقيرة، فرد ساخراً بل تستحق لأنك من الإخوان، أشرت إلى لباسي الأبيض وقلت له: هذا يشير إلى أنني لم أتلقَّ عقوبة بعد، وأنني ما زلت متهماً، ردّ بغضب: أنت هنا تحت مزاجي، وهي أوامر، وصار يكيل بأكاذيب لا صحة لها حتى قال لي منهياً حديثه: أنت في هذا المكان طبقاً لأوامر معينة! انتهى الكلام!

صرفني السجّان إلى ذاك القبر مرة أخرى بالقوة، وبت الليلة أهتف حتى بُح الصوت، وخار الجسد، ونمت لأستيقظ في ساعة لم أعرفها، فهذا القبر مظلم صباحاً ومساءً لا تدري ميقاتاً، وكنت أتتبع مواقيت الصلاة بالقلب، لا أدري متى الفجر ومتى العشاء، ظللت على هذا الحال يومين أتجرع فيهما مرارة الألم لا أقرأ كلمة ولا أكتب حرفاً إلا من شعاع نور ارتسم على الحائط الأسود كقمر في ظلال ليل حالك؛ لأقرأ مقالاً لم أنسَ حرفاً واحداً منه، كنت أمرر المجلة على الشعاع، فتتضح السطور كأن القمر ينير طريقاً مفعماً بالسواد، قرأت المقال فشعرت أن الله ينعم بالبلوى، وإن عظمت، ويبتلي بعض القوم بالنعم، حسبت أنني مؤمن بطريق أسير فيه، وغيري لاهٍ لا همّ له سوى مباراة كرة قدم أو حبيبة فقدها..

أحسست بعظمة الطريق التي أسلك رغم صعوباته وضيق جنباته كضيق زنزانتي تلك، أحسست أن هناك مَن هو معي يحادثني في قلبي إله لن يترك ضعيفاً وحده.

غلبنى النوم مرة أخرى، وأحسست أني أطلت فيه كي أستريح وأستجمع قواي، وأبدأ مقاومتي من جديد للخروج من هذا المكان.

قمت فواصلت الصياح والهتاف فأتى لي مسرعاً شخص ضخم الجثة، وقال لي: ماذا تريد؟ طعاماً؟

فرددت: لا، أريد أن أخرج من هذا المكان وأبلغ الضابط المسؤول أنني في إضراب مفتوح عن الطعام، أحسب أن هذا الشخص لا يعلم ما هو الإضراب عن الطعام، فذهب ثم أتى مسرعاً غاضباً مستشيطاً، فعرفت أن الضابط قد أفهمه القصة، وأن الإضراب هو وسيلة احتجاج، ظللت ثابتاً على موقفي حتى فتح الباب فخرجت مصراً على عدم العودة مرة أخرى إلى ذاك القبر، اصطحبني إلى مكان آخر أشد قذارة، وهنا بدأت معركة أخرى كنت فيها خصماً لاثنين من المخبرين، والمخبر معروف في الثقافة السياسية المصرية بضعف عقله وضخامة جسده وعبوديته لأوامر الضابط.

في النهاية تم تقييدي وحبسي في مكان آخر أشد قتامة، لكنه أوسع من سابقه، ظللت أصيح وأرقب من ثقب في الباب ما يُفعل مع الجنائيين القادمين من إحدى جلسات المحكمة، وهو شيء لا أخلاقي ولا إنساني، يُجبر كل منهم على التقيؤ بما في جوفه وقضاء حاجته أمام أحد المخبرين حتى يتسنى لهم التأكد من خلو جسده من أيه لفافات.

نعيش في القرن الواحد والعشرين في ظل دول تغلق سجونها أو تحولها إلى فنادق، ومصر أرض الكنانة يتسخدم بها ما فعله المغول في أرض العراق من اللاإنسانية، بقيت مذهولاً أرقب حتى بدأت في استجماع قواي والصياح مرة أخرى، فأتيا لإخراجي من تلك الزنزانة الموحشة واصطحابي إلى مكان آخر لهو أغرب الأماكن قاطبة في حياتي.

أكمل في التدوينة القادمة إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.