المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف الإسلام السيد صبحي  Headshot

الحرب القذرة بين مصر والجزائر "1"

تم النشر: تم التحديث:

تشابهت الظروف التي دعت إلى تكوين الجيوش العربية في إبان عصور التخلص من الاحتلال في الدول العربية بالشمال الإفريقي، سواء تم عبر ثورات تحررية أو عبر اتفاقيات انجلى بعدها المحتل الأجنبي، وبدأ ما يمكن تسميته السيطرة العسكرية على السلطة السياسية في الدول التي تحولت إلى جمهوريات، كما هو الحال في مصر والجزائر وتونس، أعقبها تمسّك العسكر بالسلطة السياسية، سواء بصورة مباشرة "عن طريق مندوب منهم في الرئاسة بلباس مدني" أو من خلال الحكم من وراء الستار حكماً مستتراً متمثلاً بحكم بشخص لم يعهد البدلة العسكرية".

منذ خمسينيات القرن الماضي تتمسك المؤسسة العسكرية في الجمهوريات العربية بالسلطة السياسية مُشعرة الشعوب دائماً بأن هناك خطراً داهاً يهدد البلاد والعباد والسلام، وأن البلاد في حاجة إلى الحديد والنار، يعاونها في ذلك أجهزة إعلامية ضخمة تنتهج نفس المنهجية منذ خمسينيات القرن الماضي، تختلف أدواتها مع اختلاف الزمن، كوّنت المؤسسات العسكرية في الجمهوريات التي استطاعت حكمها (مصر والجزائر على سبيل المثال) أوليجاركية عسكرية لا يخرج الحاكم سوى منها، وترفض أي ممارسة ديمقراطية قد تؤدي إلى انتقال السلطة السياسية إلى أي فصيل مدني، تستخدم في ذلك كل الوسائل المبررة وغير المبررة، يصل الأمر إلى إعلان الحرب الداخلية، ووصمها بالتهمة الجاهزة دائماً "الإرهاب".

يزداد الأمر سوءاً إن كان المنافس إسلامياً حتى ولو كانت له قاعدة شعبية بالملايين كما هو حال (جبهة الإنقاذ الإسلامي في الجزائر إبان التسعينيات) و(الإخوان المسلمون في مصر بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011) فهو محفوف بضوء أخضر غربي -حتى ولو بدا الأمر مستهجناً رسمياً أو مُعترضاً عليه من المنظمات الدولية غير الحكومية- لإبادة كل ما هو إسلامي، ومن السهل إيجاد أدلة مفبركة فيما بعد لتبرير الأعمال الوحشية التي يتم ارتكابها بحق الإسلاميين بأي دولة، تحتل الأوليجاركية العسكرية قصور الحكم العربية منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ولا تُباغت بإسقاط أو إخراج من السلطة إلا وقد ردّت بعنف يصل إلى حد خوض حروب الإبادة ضد الطرف الآخر، خاصة الإسلاميين.

بوجه عام لا يتم إخراج الجيوش من السلطة السياسية إلا عبر اتفاق بين أكثر القوى الشعبية تأثيراً، ويقضي الاتفاق في معظم الأحوال بعدم التعرض لقادة تلك الجيوش بالمحاكمات أو المحاسبة -فقط لتكتمل الاتفاقية- بغض النظر عن العامل الدافع لهذا الأمر، سواء كان اقتصادياً أو سياسياً؛ اقتصادياً يحدث بسبب ازدياد نمو الدخول الذي يدفع الشعوب إلى السير نحو الديمقراطية وحرية الرأي والسعي نحو إبعاد عن العسكريين عن السلطة، حدث ذلك في كوريا الجنوبية والبرازيل وتشيلي وغيرها.

ما أرمي إليه هنا هو حكم المؤسسة العسكرية وليس حكم الفرد، وهذا ما تعاصره الدول العربية منذ عقود في معظم الدول التي تحولت إلى جمهوريات، خاصة في جمهورية مصر العربية منذ حركة الضباط في يوليو/تموز 1952 م.

خاض العسكريون في مصر منذ يومهم الأول حرباً ضد ما كل هو مدني بداية بالأحزاب الهشة التي تم حلّها بُعيد نجاح حركتهم في تشكيل ما سمّوه "مجلس قيادة الثورة"، مروراً بقيادتهم حرباً شعواء ضد الإخوان المسلمين انتهت بوضع التنظيم كاملاً في المعتقلات، والقضاء على التنظيم كاملاً وإعدام أبرز رموزه آنذاك المستشار عبد القادر عودة، والمفكر الأديب سيد قطب، والمجاهد مصطفى فرغل، وبداية عصر جديد من سيطرة العسكريين وتداول السلطة فقط فيما بينهم، وبدا الأمر جلياً بعدما انتقل الحكم من الرئيس جمال عبد الناصر إلى الرئيس محمد أنور السادات، بات الأمر في مصر في قلب المؤسسة العسكرية، التي بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي في بداية إمبراطورية اقتصادية خاصة بهم، توحشت في العقد الأخير؛ لتسيطر على قطاعات بأكملها في الاقتصاد المصري.

يتشابه الأمر كذلك مع دولة الجزائر إبان الحرب القذرة التي شنتها على الإسلاميين بعد قرب وصول جبهة الإنقاذ الإسلامي إلى سُدّة الحكم في مطلع تسعينيات القرن الماضي، فقامت المؤسسة العسكرية بانقلاب دموي وحربٍ على ما سمته الإرهاب الإسلامي ولّد حرباً حقيقية بين طرفَي نزاع انتهت مع بداية القرن الحالي -أي استمرت قرابة عشر سنوات- تشبه إلى حد كبير الحرب التي تخوضها المؤسسة العسكرية المصرية على الإسلاميين في مصر، والتي تستخدم نفس الأسلوب بنفس أدواته تقريباً من قتل ممنهج أو اعتقال لآلاف، وإيداعهم السجون بدون محاكمات حقيقية أو ممارسة الجريمة القذرة "الإخفاء القسري"، أو تكوين جماعات ذات طابع إسلامي شكلي يتم تكوينها بداخل المخابرات وتسويقها إعلامياً على أنها تابعة لجبهة الإنقاذ "الإرهابية بالطبع في وجهة نظرهم"، يتم حالياً في مصر استخدام الأسلوب ذاته وربما لم يتكشف لنا حتى الآن بعض من المخفيّ.

تشابهت الكثير من ظروف الحرب القذرة التي شنتها المؤسسة العسكرية في كلا البلدين، وربما تشابهت أيديولوجية المُحارَب "الإسلامية"، بالطبع تُرفض الممارسات الوحشية السلطوية العسكرية من جانب المؤسسة العسكرية في كلا البلدين (مصر والجزائر)، ولكن تشابه ظروف الحرب تدعو للتساؤل وطرح الأسئلة بغرابة: إذ كيف يتكرر نفس السيناريو في جمهورية عربية على يد نفس المؤسسة تقريباً بنفس سيناريو الأحداث؟! أمر لا يمكن تفويته أو تجاهله أو اعتباره محض صدفة؛ إذ لا يعرف التاريخ في تكراره صدفاً.

تكررت الحرب القذرة في مصر بنفس توالي الأحداث في الجزائر ولربما فقط اختلفت بعض العوامل؛ إذ لم تكن جبهة الإنقاذ في الجزائر قد تسلمت الحكم بعد، ولم تكن حداثة وسائل الاتصال بهذا القدر الحالي، أيضاً كانت هذه التجربة الأولى للإسلاميين في الجزائر منذ انتهاء ثورة التحرير الجزائرية 1962م، ولكنها لم تكن التجربة الأولى لإسلاميي مصر الذين كانت لهم تجربة سابقة بعد حكم المؤسسة العسكرية بداية من عام 1954 و1965، ولم تكن الحرب المستعرة منذ 2013 سوى الصدام الثالث لإسلاميي مصر مع المؤسسة العسكرية.

الحقيقة الجلية التي ينبغي أن نؤمن بها أن الإسلاميين في الدول العربية ليس لديهم أي منطقية في التعامل مع الانقلابات العسكرية أو كيفية وأدها؛ إذ ثبت في بلدين عربيين هما الأكبر من حيث عدد السكان أن الإسلاميين لا يجيدون سوى لعب دور المعارضة، وهذا يستدعي إعادة النظر في المنهجية السياسية التي ينتهجها الإسلاميون في الجمهوريات ذات حكم المؤسسة العسكرية؛ إذ لم يفز الإسلاميون في أي من النزالات السياسية التي خاضوها ضد حكم المؤسسة العسكرية إلا وانتهت بخسارة كبيرة لجماعات الإسلاميين.

تقصيت أكثر الحالةَ الجزائرية من خلال كتاب "الحرب القذرة" للحبيب سويدية، وهو ضابط جزائري بالقوات الخاصة إبان فترة انقلاب العسكر على جبهة الإنقاذ، شهد بنفسه مجازر وفظائع دعاه ضميره اليقظ إلى رفض الكثير منها، ما أودى به هذا الرفض إلى الاعتقال 4 سنوات قضاها بسجن عسكري، خرج إلى فرنسا ليسجل شهادته عن تلك الفظائع التي تكشفت حقائقها بعد سنوات من نهاية العشرية السوداء في الجزائر.

استغربت تماثل الوضع بين ما حدث في الجزائر إبان التسعينيات ومصر يوليو/تموز 2013، حتى وإن لم تنكشف حقائق من داخل النظام المصري بعد، إلا أن النتائج تدل على تماثل الأداء.

ولكن هل تتماثل النتائج الأخيرة للنزال المستمر بين المؤسسة العسكرية والإسلاميين في مصر كما حدث في الجزائر؟

الحقيقة أنه لا تأثير سياسي للإسلاميين في الجزائر بعد انتهاء الحرب القذرة بحكم مدني الواجهة عسكري الخلفية وركود في الحراك السياسي الجزائري خلا منه تواجد الإسلاميين هناك، هل سيتماثل أيضاً الأمر مع مصر؟!
نُكمل في المقال القادم إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.