المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف وهاب مزهر Headshot

رسالة من أبي

تم النشر: تم التحديث:

2016-05-10-1462908912-9218403-12140843_1620116401588780_7662394858196674695_n.jpg

مع ضياء فجر جديد أفقت على أصوات الحياة في مدينتي البعيدة؛ حيث أقطن أنا ونفسي وشتات ذكرياتي وبضع الحنين الذي يملأ قلبي، أفقت على نار الشوق بين أضلعي تستعر وأنا أستمع إلى تغاريد العصافير، وأستمتع بكوب الشاي، انطلقت الحياة على أصوات المارة والبائعة المتجولين، لا جديد في يومي سأنطلق معهم في رحلتي أذهب وأعود، كما يعودون من جديد، وسنغفو على ذكريات وصور لا تفارق عقولنا، أحبة يعيشون معي في جميع أيامي، لكن حلاوة الأشواق والحنين صبرا للقاء.

هذه هي الحياة نسعى وراء أهدافنا لنحققها في رحلة العمر نزرع البذور هنا وهناك أينما تكون أهدافنا نسقيها؛ لنجني ما بذرناه ستعلمنا ونتعلم منها الكثير أثناء رحلتنا، لقد تعلمت الكثير أثناء رحلتي وتعلمت الكثير ممن يجولون معي، وهم الأقرب إلى قلبي دوماً ما تعلمت منهم بداية طرقي في هذه الحياة كالصبر الذي كان معي فهو ما علمنيه إياه أبي.

وأنا مستلقٍ على فراشي بعد يوم سأودعه كنت مسافراً مع مخيلتي والأفكار هائجة في عقلي بين الخيال والواقع، كان هناك بضع من الشتات يبعثرني لم أكن أعلم ما مصدرها، أهي خيبة أمل أم فقدت عزيمتي وأملي في هذه الحياة، كانت سفرة مثيرة للعجب!! لا أعلم ما الفعل، كأن اليأس حط على قلبي ليطفئ شموع الأمل الذي لا ينتهي في نفسي بين الشوق والحنين، بين الذكرى والهدف، معركة لا تنتهي، أرهقتني رحلتي هذه، لكن لم أعتَد على الهزيمة، فأنا الذي تعلمت من التعب تتولد راحتي هكذا أنا فما زالت تلك الكلمات من أمي في مسمعي "من يتعب يلعب"، بقيت معي سنين طوالاً، لكن أنا أصدقها قولاً، وكما قال أحدهم: "تعلم أن أعظم النجاحات تأتي بعد أشق العثرات".

رنَّ هاتفي رنة خفيفة كانت هي رسالة بعثت النور في وأعادت الموازين إلى عقلي ونفسي، رسالة استقبلتها ببسمة لا تنتهي، كانت رسالة من أبي، ذلك الإنسان الذي عانى ما عانى في هذه الحياة من أجل أن يصنع منا رجالاً لا ينكسرون، رجالاً بين العطف والحنان، هناك صلابة لا تنكسر لهذه الحياة المتعبة، هذا الذي بانت على وجهه تجاعيد الزمن هو قدوتي في هذه الحياة، هو الذي علمني معنى الحياة، معنى القتال؛ لنصل إلى غايتنا، فتجاعيد الزمن التي بانت عليه ما هي إلا معارك خاضها مع الحياة، فبانت انتصاراتها في وجهه، وكما قال ابن القيم: "النعيم لا يدرك بالنعيم، وإن من آثر الراحة فاتته الراحة، وبحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له".

رسالة كأنها أتت من أعماق البحار منقذة الغريق بين الأمواج، فكانت قارباً يصلني إلى الضفاف؛ لأمضي معها رحلة جديدة إلى هدفي، ابتسمت وغفوت بين حلم وأمل لا ينتهي لبداية يوم جديد كسابقة أمضيه بخطوة إلى الأمام، خطوة ستجعلني أحصد ما أبذره وأسقيه في رحلتي؛ لأحصد فرحة تملأ قلبي، فرحة النصر بتحقيق أهدافي، فهي الحياة معركة سنخوضها بكل تفاصيلها مرغمين.

رسالة أبي التي بعثت النور قصيرة الكلمات كبيرة المعاني كحكاية، بل رواية كاملة من الحكم والعبر تعلمك معنى الحياة، تعلمك كيف أن لا تستلم لها، لا تستلم لليأس ولا تجعله يطرق أبواب عقلك وتفكيرك، يجعلك تصل إلى مرادك محققاً ما وجدنا لأجله في هذه الحياة، فنحن هنا من أجل غاية أسمى وأعمق من أن نهدرها هنا وهناك في كل لحظة تمر علينا وتودعنا، هي لحظة من عمرنا تسرق منا الكثير فلنجنِها ونعمل من أجل شيء يجعلنا نفخر لأنفسنا، ويفخر غيرنا به، الله عز وجل لم يبعثنا لنكون مجرد أرقام تمر، فنحن هنا من أجل أن نعمل لنحصد؟!

رسالة فتحها بالشموخ وأنهاها بالصبر، قال فيها: "كن شجرة تتمايل مع الريح، لكن لا تنحني ولا تسقط" بسيطة كم هذه الكلمات كبيرة المعاني، اختصر رواية الحياة ببضع كلمات، سأكون دوماً هكذا يدق حصوننا اليأس والخيبة لكن لا يحطم عزيمتنا ولا يكسر غايتنا ولا يجعلنا نقف عند محطاتها، بل نجعلها قوة لنكمل مسيرتنا، نفشل مرة وتكون بداية للنجاح، هكذا ما تعلمته من هذه الرسالة، فلنكن أقوى من كل الأشياء، محققين أهدافنا بالعمل، نحارب من أجله، ولا نجعل من أنفسنا نتوقف، لا هدف ولا غاية كالضائعين في وادٍ يغلفه الظلام.

أخيراً وأختم بها: "ومن يتهيب صعود الجبال يبقى أبد الدهر بين الحفر".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.