المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف وهاب مزهر Headshot

قتلت البراءة

تم النشر: تم التحديث:

صرخاتها ما زالت تتردد في مسامعي كقنبلة مفجرة الضمير بداخلي كبركان يثور يحرق القلب ليصرخ ألماً، كانت جميلة الأوصاف، البياض يملأ وجهها الباكي من كثرة الألم، تلك التعابير، تلك الدموع لا تفارق عيوني كشريط سينمائي يُعاد أمام ناظري، كلماتها التي أطلقت من فمها رصاصات أدمتني، وجعلتني لا أستطيع الحراك، ثلاث كلمات مرت كوابل من الرصاص كانت "ما هو ذنبي".

ما هو ذنبي؟ ذنبك يا حبيبتي أنك عشت لست مع بني الإنسان، ذنبك أنك عشت في عالم من الظلام والوحوش، لا يمسكهم الدين ولا يمسكهم القانون، هذا ذنبك يا حبيبتي الجميلة، هذا هو ذنبك.

ذنبك أنك معنا في هذا العالم الموحش الظالم الذي جعل منك فريسة للذئاب تغتصب براءتك وحنانك وحبك حتى أشياءك، لم يتركوا لكِ شيئاً أبداً، ترددت الدموع كمطر ينهال من العيون، صرخات تطلقها دون كلام، صرخاتها كدعاء ينطلق من الأرض إلى السماء.

ذلك الفستان الجميل المرصع بالألماس وبياض الأيام؛ لأنك لم تعرفي سوى الجمال والبراءة والحنان، لم تعرفي سوى العطف والحب فأنت رسالة السلام، أنت صرخة تحرك الضمير لمن يعرف الضمير، لمن يملك القلب النابض، أصبح العالم لا ينبض إلا القليل، حينما رأيتك يا حبيبتي أتت في ذاكرتي تلك الكلمات "أحلك الأماكن في الجحيم هي لأولئك الذين يحافظون على حيادهم في الأزمات الأخلاقية"، هذه الكلمات ما هي إلا حقيقة عالمنا، فصمتنا سيكون جحيمنا.

لا تحزني.. لا تحزني فأنت راحلة مودعة بساطة الأشياء، مودعة ألعابك التي تفرحك، مودعة قطعة الكاكاو التي تحبينها، هذه القطع التي ترسم على شفتيك الفرحة ستحزن على وداعك، فهي وجدت إليك وأنت اغتصبت براءتك، اغتصبت طفولتك، اغتصبت كل الأشياء التي أحببتيها معك، فرحلت عنا إلى السماء، لعبتك الأميرة مركونة في زاوية لا تنطق، حزينة على فراقكِ، أوراقك، وكتبك، وكل شيء حزين.

ارحلي يا حبيبتي، ارحلي كحمامة تهاجر تاركة أشلاء الحجر الذين يقطنون الأرض، ارحلي لتعانقي تلك النجوم التي كنت تحبين رؤيتها، ستعانقينها، صدقيني، وستكونين هناك معها، لن تنتظري الليل ليبعث النور في عينيك، لن يبقى معنا سوى ذكرى واسم لا يفارقنا، وبضع من أشيائك التي تركتيها معنا، ارحلي فالعالم هذا لا يستحق، فأنت طير السماء، طير سيسكن في الجنة، وستكونين نجمة مع النجوم.

رحل قبلك الكثير، واغتصب قبلك الكثير، ونحن هنا لا نحرك ساكناً، مستمعين إلى الصرخات والدموع، مستمعين لتلك الكلمات التي تكررت أمامنا "ما هو ذنبي؟"، ودعنا أحبتنا واحداً تلو الآخر، وودعنا الضمير، وقتلنا الجرأة، واغتصبنا البراءة، والخوف خيم علينا، أتذكرين يا حبيبتي حينما فرحنا بيوم الحرية قبل سنين، قلتِ: ما هي الحرية؟ أخبرتك حينها أنها النور، أتذكرين؟ لقد كنت أكذب؛ لأن بلدي لا يعرف سوى الدماء، لا يعرف سوى الظلام.

يوماً بعد يوم نودع براءة الأطفال التي كانت تجول حولنا، معلنة السلام في نفوسنا، باعثة البسمة على وجوهنا، نودعهم وما زلنا نودعهم كحمامات السلام التي تحلق في السماء معلنة فراقنا تاركة الدماء السائلة والأجساد المتناثرة هنا وهناك بفعل تلك الوحوش المتعطشة للدماء، وما زالت تعلو الصرخات: ما هو ذنبنا؟ وما هو ذنبهم؟ صرخات الأمهات والرجال والنساء تعلو في أرض العراق، أرض السواد.

أختم بشعر لتميم البرغوثي: "قفي ساعة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.