المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سيف وهاب مزهر Headshot

كن إنساناً

تم النشر: تم التحديث:

كثيرة هي ذكرياتي، وكأني عشت ألف عام تبعها 28 عاماً هو عمري خزانات كبيرة تحيطني مملوءة بأوراق وقصاصات من الأحداث التي رأيتها وتعلقت في مخيلتي؛ لتجد طريقها إلى خزانة مركونة لا أحد يقلبها سواي أياماً وساعات؛ لتكون هي أعواماً من الصراع شبه الأزلي، في داخلي صور وأحداث وأسماء، كلمات كلها ما زالت تسكن في تلك الخزانة التي تدخلها مبعثراً كما هي تلك الذكريات التي كتبت هناك.

أشعار من الحب وخواطر من الألم، كلمات مبعثرة عن كل شيء كتبت بأصابع عصرها الألم والفرح، عصرها الحزن والأمل، كلمات طلقت عن صرخة أم، وحروف امتزجت من دماء الأبرياء، صور لدمار وحطام عم بلدي وبلداناً من حولي، طيور غادرت كانت أطفال يملأن الكون بالحب والبسمة، خزانة مملوءة، وما زالت تكبر وتكبر، وسنوات مضت كأنها دهر من العمر، وها هي تمر أمام ناظري أقلبها ككتاب لا ينتهي من كثر الصفحات، انطوى بعضها ورحل، وبضعها ما زال يمضي معي.

أحرقت الكثير منها، ولكنها ما زالت مملوءة من كثرتها، وكأنها بحر عميق تكون عبر الأعوام التي أمضيتها، ذكريات كثيرة مرت كألف عام، ولحقتها بقيتي من الشتات الذي عشناه، وما زلت أجول معها كأني أجول في هذا العالم باحثاً عن نهايته التي لا تتنهي، عالم ملؤه الغرور والتعالي، عالم يقطنه كثيرون من الذين لا يملكون معنى واسم الإنسان، الذين وجدوا من أجله، السيطرة والدم والحروب غذاؤهم اللذيذ بنكهة احتراق العالم.

ما زلت أقلب شريط الذكريات، وهو يمر من أمامي، يمر أمام يوم احتراق بغداد، يتبعه الصراع الذي أحرق العراق، ثم القتل الذي يفعل باسم الاختلاف، كثيرة هي الصور، انفجار فدماء تسيل، أم تلك الوجوه التي اعتلت وعلت من قوت الأبرياء، اعتلوا ونسوا من أعلى منهم جميعاً، ثم الانتفاضات التي حدثت، لتصل لصورة طفل في حلب، ولاجئ غرق في بحر الموت، ليمر شريطها مسرعاً كسرعة الشهب، أحداث أعوام متراكمة، بضعها تاريخ نقره في سطور العظمة، منها قصص عادت لتعيد نفسها لنراها في واقعنا المرير، مسرعة تمر أمامي، حكام حكموا وطغوا ونسوا من قبلهم كم طغوا وارتحلوا إلى التراب الذي نحن منه، بسيط التكوين رغم صعوبتنا نحن، يقتلون ليطغوا من جديد.

ذكريات مسرعة تنقضي من أمامي، لأجد نفسي من جديد، أحداث تأتي فترحل إلى خزانة الذكريات لتجد زاويتها المظلمة دوماً، نتصفح واقعنا عبر تطور الزمان وسرعة وصولها، من أحداث الحروب المشتعلة ليومي هذا، وأجد نفسي أعود أقلب يومي من جديد بأحداثه وأشخاصه واختلاف ألوانه، أنصدم من جديد بواقع مرير، شباب يهدره باللاشيء، سلام بين صفحات التواصل الاجتماعي نراها دون أن نراها في واقعنا، أبطال من خلف الستار بحروف الكره يطلقونها.

أجد نفسي أجول العالم أبحث عن نهايته وحلول السلام، أبحث عن تلك الحمامات البيضاء التي فقدناها، أبحث عن ذلك الجيل الذي سمعت أنه جيل من كثرة طيبته سمي بجيل الطيبين، جيل الزمن الجميل الذي هو نفس الزمان رغم تغير الأشخاص، الزمان والوقت والطبيعة نفسها ما تغير فقط نحن فيه، لتزداد قساوة الكثيرين من كثرة الصراعات، ما تغير فقط العزم على الانتقام بعيداً عن التسامح.

تغير من يحكموننا ليعلو على أجسادنا التي تناثرت من كثرة الرصاص، يستمعون لموسيقى صرخات الأمهات، لا أعلم ما نصفه من عالمنا ظلام أم هو ضوء الشمس الأصفر من كثرة حرائقنا، وما زلت أرفع راية لنبحث عن السلام، نكتب عن السلام ونعمل به، نرسم صورة الحمامات البيضاء على الجدران، عسى تعود لتجمل صورتها على الجدران، رسالة نبعثها ليرى العالم ما نحن وجدنا من أجله في الحياة، ونحن وجدنا هنا وسنرحل يوماً من حيث أتينا، نحصد ما زرعناه بخيره وشره، رسالة نطلقها من ضميرنا الراقد، نزين عالمنا بنوره كزمن يذكر من جديد الزمن الجميل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.