المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد منتصر Headshot

علماء للبيع

تم النشر: تم التحديث:

"لم أكن مع الثورة في البداية خوفاً من الفتن والإثارة، ولكن تبيّن لي بعد ذلك أنها كانت تريد العدل ورفع الظلم، وهو ما يتفق مع الدين الحنيف، ولم تكن خروجاً على الحاكم" ذلك تقريباً نص كلام واحد من أبرز شيوخ السلفية في مصر بداية عام 2012 على ما أذكر.

أكد الشيخ على البث المباشر يومها أن الفضل يرجع "للثورة المباركة" في الحرية التي شهدتها مصر، والتي بفضلها لم يعد هو بحاجة للرجوع لمسؤول أمن الدولة، الذي ربما لم يكن يحسن وضوءه -حسب قوله- ليخبره بتحركاته الدعوية.

وبغض النظر عن السبب الذي أجبره على قبول ذلك قبل الثورة، فالمهم أن الشيخ المحرر أصبح لا يخشى في الله لومة لائم ويقول الحق جهراً في وجه أي كان وذلك حتى منتصف العام 2013.

فما إن وقع الانقلاب إلا وعاد الشيخ سيرته الأولى تماماً، عاد نصح المسؤولين في السر أفضل منه في العلن، ومعارضة أولي الأمر عادت باباً للإثارة والفتن. فتحتار أنت: أكانت فترة الجرأة تلك بسبب انشغال أمن الدولة عنه بالكيد للثورة المغدورة أم كانت هي الأخرى بتوجيه منهم؟!

ذلك في مصر وما أسهل العثور على قصص مشابهة.

في صمت الكثيرين على أحداث القدس الأخيرة، ثم توجيه بعض العلماء الشكر لحكام لم يسمع لهم صوت طوال الأزمة على جهودهم فذلك أمر محير.. ماذا يجبر عالماً على تكرار كلام غير صادق؟!

في المملكة العربية السعودية أيضاً، هيئة كبار العلماء التي يشار إليها بالبنان كتبت مؤخراً على حسابها الرسمي عبر تويتر تحذر من جماعة الإخوان المسلمين وتكيل لها الاتهامات، على الرغم من أن بحثاً بسيطاً يمكنك به الرجوع إلى فتاوى سابقة لأعضاء في الهيئة نفسها يزكون منهج الجماعة ويثنون عليها.

الأزمة الخليجية ومواقف الكثيرين منها، أحد الدعاة ترك الأزمة وتحدث عن حكم العبايات المطرزة وغير المطرزة فسخر منه متابعوه.. وآخر تصادف بدء الحصار مع حلقة له عن حصار النبي صلى الله عليه وسلم، فأصر على تبرئة ساحته، في ذلك ما يظهر جلياً تماهي هؤلاء مع السلطات في الحق والباطل وحرصهم على رضاها.

أن يصدر بيان عليه اسم مفتي المملكة مع بداية الأزمة؛ ليتحدث عن النسب لآل الشيخ ابن عبد الوهاب، ويطالب بتغيير اسم جامع في الدوحة يحمل اسم الإمام.. في ذلك ما يشي بحجم المسافة بين موقف السياسيين والعلماء في المملكة.

أعرف أنه ليس المطلوب أن يكون الجميع على قدر واحد في قول الحق وتحمل تبعاته وقت الاستبداد، ولكن هؤلاء أنفسهم علمونا أنك إن لم تنصر الحق، فلا أقل من السكوت عن الباطل ومظاهرته، وإن لم تستطِع إزالة منكر فزل أنت عنه، وما قد يقبل من العامة لا يقبل من الخاصة.

بالطبع فإن الكلام هنا لا يشمل لصوص العلم الشرعي المعروفين، فهؤلاء خسروا وإن ظنوا أنهم فائزون بتملقهم، كما يقول ابن خلدون. الكلام هنا تحسر على مَن صدمت بهم الأمة ضمن ما تصدم به كل يوم.

رحم الله الكواكبي حين قال في "طبائع الاستبداد": إن المستبد لا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد وما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوةً، وإنما يتلهى بها مهووسون، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذ يأمن المستبد منهم. بل إنه إذا نبغ منهم البعض ونالوا مكانةً بين العوام لا يعدم المستبد وسيلةً لاستخدامه في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابل أنه يضحك عليهم بشيء من التعظيم ويسد أفواههم بلقيمات من فتات مائدة الاستبداد.

مؤسف حقاً أن ترى الذين علموك بالأمس موقف العالم الرباني سعيد بن جبير مع الحجاج بن يوسف منهم مَن يقف اليوم مع حجاجي هذا الزمن.

مؤسف أن ترى اليوم علماء يعرضون أنفسهم للبيع كل يوم على المماليك الجدد.. وهم الذين علموك بالأمس أن سلطان العلماء العز بن عبد السلام كان من الجرأة في الحق لدرجة أنه أفتى ببيع أمراء المماليك.

شتان بين علماء يبيعون الأمراء وآخرين يبيعهم الأمراء ويشترونهم على المنابر والشاشات ومنصات القضاء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.