المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد المرابط Headshot

الأنا الديناصورية

تم النشر: تم التحديث:

الأنا المتضخمة، مرض قفز إلى السطح بطريقة سندبادية وطرزانية، ممتطياً بساط علاء الدين الطائر، الذي وفرته مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مرعب.

الأنا الديناصورية المتضخمة، إحساس متعالٍ يشعر المرء بأنه الإنسان الذي لا مثيل له، وأن ما قام به ويقوم به لا يقوى عليه أحد سواه، ويعجز عن فعله عامة الناس، هو غشاء كبر تتخذه النفس البشرية غطاء لوهن بها، لكنه أوهن من بيت العنكبوت؛ إذ سرعان ما تنكشف عورة الديناصور أمام مرايا الآخر، الذي يرى المتضخم كما يراه، صغيراً حد العدم.

المصاب بتضخم الأنا كالواقف على جبل شامخ، يرى الناس من القمة صغاراً كما يرونه صغيراً.
تلك -الأنا- البهلوانية، أخذت نصيبها من وقت وأبحاث أهل الاختصاص في السوسيولوجيا والسيكولوجيا، وكل الجيمات التي درست صفات الإنسان المعقدة، ولست هنا للتطفل على تخصصاتهم.

لكن يمكنني أن أطلق العنان لمخيلتي، وأتخيلني أمام مصاب بـ"تخمة الأنا"، يثرثر بهذيان الديناصور الصغير الذي استوطن عقله؛ إذ يقول فيما يقول:

"أنا من حرض "قابيل" على قتل "هابيل"، أنا من علم الإنسان فنون القتل وعلوم الطغيان وعبودية الإنسان.. أنا من وجَّه بوصلة "كولومبوس"؛ حيث يلمع الذهب في أحراش أميركا، وعلمت البيض تطور الصيد من الحيوان للإنسان، من إبشام المخمصة إلى إبشام النفس الشرهة الدميمة.

في تلك الزاوية التي تنبعث منها أضواء الشموع الخافتة كمصابيح الرهبان، نادمت "الزير سالم" فحدثني عن جنونه ومجونه.

أنا، نعم أنا.. مَن علم الأنثى الغنج، ووضع سر الإغواء قلب التفاحة؛ ليستفيق "هوميروس" على نوتات "الإلياذة"، ويترنم بعزف "أفروديت" لأوتار الخطايا بقوس "باريس" وخصر كمان "هيلين" المغوي والمغري.

وهنالك في تلك القهوة المعتمة في ضواحي باريس تأوهت علي "حميدة نعنع" حين أخذها سلاف القمح إلى ضواحي بيروت حيث لعلع الرصاص، حين تشنفت سمعها بأنغام صوت -فيروز التيه تغني "لبيروت"..

أنا مَن ألهم ليوناردو دافنشي ببدائع الرؤى في لوحته "الموناليزا" انتصاراً للبروليتاريا بعد ما قرأت "البيان الشيوعي" قبل أن يترجمه "الأخضر العفيفي".
أخطرت إلى "كافكا" شطحاته الإبداعية في "الميتامورفوز" مقتبساً إياها من "ديستويفسكي" وقبوه القميء.

في تلك الغرفة من حيث يتراءى ضوء خافت ينهزم أمام جحافل الأنوار في ليل مصر، حبلت مني "شجرة الدر" بقصر "إسماعيل باشا" سفاحاً كبر في حواري القاهرة، وتناسلت منه كل الأنظمة العربية المتعفنة.

أنا من "الفردوسي" نظم بيراعه "شهنامة" الفرس، وفتحت بها أبواب التزلف لأهداب العروش.

كان ذلك في ذات اليوم الذي استلهم فيه "إدفار مونش" من ياقة قميصي روح الفيه المفتوح، لتصميمات لوحة الصرخة، وفي بيض دجاجاتي البلهاء رأى "غاليلو" شكل الأرض في المجرة.

أنا من أقرأ "بروميثيوس" آيات العطف ليسرق النار المقدسة، وتلوت نصوص العقاب وشوشة في أذن "زيوس"، لحظتئذ كنت أعلم "سيزيف" فن المكر؛ ليغافل موت "ثاناتوس" ويتحمل عبء ثقل صخرة الخداع.

أنا مَن كان يعشو "أرسطو" إلى أفكاري ليلاً، وأنا أتقلب في أسرة غواني أثينا الغانيات.

أنا مَن أشعلت نار "نيرون" في حديقة "إبيقور"، وحبست البول في مثانته، وأضعت سر السعادة بخلق الألم في عمق سويداء قلبه.
أنا مَن ثقب مزامير داود، وحرمت نور الموسيقى كي لا تنير الظلام الغربيب.

أنا الذي اقتبست الشمس ضوءها من جبيني ذات غضبي، أنا من استدار القمر متقمصاً شكل قلامة ظفري.

أنا مَن دس القلق في المعري، وأنا من أسقط لهيب أخيرات "الأندلسيات" مقدمة في رأس "ابن خلدون".

أنا من أوجد فكرة الوجود في خافق "ديكارت"، ودس أسئلة الوجود في بهارات طعام "سارتر".. نسجت من خيوط الجروح سبحة "التبريزي"، ومن عوالم اللغة السحيقة أحجية شنق الحلاج، من المكر شحذت سكين قتل "السهروردي"؛ ليشطح القاتل والمقتول على ترانيم الجنازات.

لا تظنوا أنني أسرق "أمين معلوف"، ولكني أمنته فسلخ كتاباتي في "سمرقند" وكشطها من جلدها قبل أن أكتبها، فأنا من عرف "الليون الإفريقي" ذات يوم قائظ على لسان أستاذ تاريخ مهووس بالماما إفريقيا، ويسميها أم الحضارات.

أنا مَن نظم فواحش "امرؤ القيس"، قبل أن يسلبني إياه بفضاضة الملوك، وبهيمية الصعاليك.

أنا مَن علم الشيطان فنون الوسواس قبل أن يتفوق التلميذ على معلمه، وأنا من لقَّن "ابن عربي" أسرار العرفان وكنه "الفصوص" قبل أن يدهشني ببراعة المريد على الشيخ.

أنا من علم "العطار" فريد الدين، "منطق الطير" يحاجج به منطق الورق.. وأنا من عكس وجه "نرسيس" على وجه الماء، وورثت سره "المتنبي" كي أرى موته بغير ما نصت أبياته.

أنا جني العذارى، وثالث الاثنين حين يختليان، إبليس "البيظان" وعنفوان غواية النساء.

أنا مَن سرق النار من قمم الجبال، ورمى "دانتي" إلى قاع الجحيم، أنا مَن حرض "سبارتاكوس" على الثورة، وبنى له مشانق الموت في نهاية المطاف.
أنا مَن ألهم التاريخ الثرثار ثرثرته، ألست سليط اللسان كما تقولون؟!!..".

لكنه في قرارة نفسه، يدخل في مونولوغ الحقيقة الذاتية، ويستمع لأناه الصادقة تقول:

"عفواً فأنا لست أنا.. إنما أنا تلك المضغة المتعفنة في أحشاء الحياة الحسناء، قذى عيونها النجلاء، وعوار بؤبؤها الفتان، ودنس أثوابها البيضاء الناصعة.

أنا قعر بلد يعشعش فيه البوم، تتجسد لعناتي أمام عيوني الجاحظة تاريخاً أسود كفحم النذالة.

غير أنني أواصل أكل خبزي الأسود، وأتنغم بنشاز "قرمشة" طحنه بين أسناني.. إن لم أتنفس "الحقارة" سأختنق، وإن لم أبصق "السم" سأموت.

بل أنا أنشر أكاذيب لأسمم الدنيا، كأنني عجوز زانٍ عافته النساء، فأدمن الاستمناء ومضاجعة الخيال".

* هذه التدوينة إهداء إلى "ديكارت" الصغير، الذي نحتته الفلسفة، إلى السالك دروب مراكش الحمراء يبحث عن سر سبع رجال ضاعوا في ثنايا الظلام، إلى "السالك التروزي".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.