المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد المرابط Headshot

مأساة في حليب الأمومة

تم النشر: تم التحديث:

إلى كل "غيثة" يجلجل سوط التسلط المارق في وجهها، وهي قابضة على الجمر، تعض على الحديد صبراً لألم ينطلق من دركات الوأد.

إلى كل "غيثة" تربي أملاً يصارع ألماً كأنها منفى يقارع الأرصفة الباردة، وتلعق جراحها النازفة في صمت مرير.

إلى كل "غيثة" تتخيل في يقظتها سدرة المنتهى مربطاً لخيل أحلامها بالحياة.

إلى كل "غيثة" أوشكت أن تتثاءب أيامها على فتح درج الفرح، فيلقي نجائبه من جرانه لها، فتحولت إلى نهارات كأباء، تنفثت السم الزعاف في قلبها الصامت الصاخب.

إلى غيثة الحقيقة!!

(...)، ثمة ريح تضرب ملء سوافيها في المكان، وغيوم تتكوم فوق بعضها في الأفق، وأضواء ساطعة في الأسفل تحت المصابيح، ومن فجوتها سطعت غيثة بجسدها البض، ومفاتنها الفاتنة، متلفعة بملحفة ترشح أبيض ناصعاً مزركشاً بأزرق بحري، يذكر ببحر حبها اللجي، وهبل عميق لا نهائي.

تتقدم بخطى وئيدة متثاقلة، دون أن تلتفت إلى أي جهة، كأنها تكومت على نفسها، ولم تعد تعير العالم أي اهتمام، ولا تعترف بأدنى شيء يخرج عن حدود قوقعتها الخاصة، المغلفة بالغيظ والحنق.

لا أعرف أين قرأت أن الرزانة والتثاقل عادة ما يرافقان الحزن.

بوجه منطفئ كما تنطفئ شمعة في هبوب رياح الخلاء، لكن وجهها انطفأ في هبوب رياح الأحزان، وذابلة كوردة فقدت الماء واستنكحها العطش، وهي أمامي تتحدث والحزن يستوطن سحيقاً عمق عينيها، اللتين كانتا تختزلان كل الحياة.. يستفحل بها الحزن المعتوه، بل ويتسلطن على ترنيمة عزفتها بحتها المنهكة على حبال حنجرتها المنتهكة.

جلست وليتها لم تجلس، بل ليتها لم تجعلني أرى ذلك المشهد البكائي الكابي، وقد اصطبغ وجهها بلون الحزن العندمي، كأنها تعيش عزاء لموت قادم بالتقسيط، يتفنن ببتر أعضاء الحياة جزءاً بجزء.

وأخذت تسرد ويلات العيش ضد تيار ناموس الوبر القميء، الذي سن الزواج في مثل سنها، كأن البنت سلعة لأول طالب، لا إنسان له كيان مستقل، تجري فيه دماء وينبض قلب.

الأمر من ذلك، أن جرح نصل الناموس الذي لم يجف بعد، ينكأ من جهة الحنان، من مهد الحياة، ومنتهى الحب، يقدح زناد الغصة حبيسة الصدر؛ من الأم التي استحالت في غفوة منها إلى "الألم" وصارت ترمي بشرر الشر بدل قبلات المحبة، تمنح العذاب بدل العذوبة، الأم التي تعلمت منها معنى الحب، حين كان حبها لأبيها وغيرتها عليه مدرستها الأولى، الأم التي تتألم لآلامها صارت تتفنن في إيلامها ببرودة دم، وهي تخيرها بين غسيل كثبان الأواني، ولهيب الطبخ، أو قبول الزواج، كأنها لا تعرف أن عيني أخيك والغريب ليست سواء، فكيف بعين قلبك.

صمتت قليلاً، وهي ترفع رأسها نحو السقف، كأنها تتأمل فراغاً يشبه الحزن، لم تكن هنا، ولا أنا كنت معها، كأن خندقاً فرقنا، ومنعني من أن أشد على يدها الصغيرة، واكتفيت بتأمل وجهها الهارب.. وأخذت أنظر إلى كيف صار يعكس لون قهر، استفحل حتى غطى ملاءة وجهها الملائكي المليح، ثم أكملت عزف كمان الأحزان، دون أن تتحرك، كأنها ثبتت جيداً إلى الكرسي، وهي تحكي عن صبرها لشقاء الحال، وبؤس القدر، واستماتتها وجه النار، ومقاومة اللظى بابتسامة مصطنعة، رغم دبيب الخوف أن يكون ما يحدث لها هو بداية لشطط آخر أكثر قسوة وسادية.

- رغم كل هذا ما زلت أعيش يا سعيد، ألم يقل نيتشه إن الإنسان أشد بأساً وقوة من الريح؟ ولكن إلى متى يمكنني أن أؤم الصبر، والأمر ينقصه الإنصاف، سأموت غماً، في حين ستظل الريح تعصف دائماً، والموت سيكون خسارة تخصنا وحدنا، وليس يخص مشانق الحياة المنصوبة والجاهزة أحكامها، حيث يمر الزمن وتتكرر المآسي، وهي باقية على حالها مثل الصخر الأصم، أحكام ملفقة وحياة يكبلها الجهل والأساطير حول الأنثى كأنها عار يجب التخلص منه، أما العار فنعرفه وأما الأساطير فهي تلك التي أذكت نار الشك في المعري، وصاح من حر جذوتها : "أفيقوا أفيقوا يا غواة".

وأخذت تطرح عليَّ أسئلة عدمية، ووجودية، أسئلة تطرق بوابات العبور، للخروج من عبث ناموس القبيلة، ولو ممتطية مور السوافي، إلى أين يمكن لإنسانة حالمة أن تحيا وتموت بدون خوف، تعيش عنفوان حياتها بلا هوادة، دون أن تكون مرغمة، على رؤية المنع أمامها، لتطرح الأسئلة المفرغة من جواب، بعد أن فقد الواقع جدواه، ولم يبقَ سوى أن تقلب صفحات أيام خواء من حياة.. فمن أين تنبلج الحياة يا سعيد؟!!

وددت أن أقول لها: إنها تنبلج من كوة في الإنسان اسمها القلب، تشبه كوة بزنزانة مظلمة، تعي الحياة، ولا تأبه بالتسييج.

لكني غبت -لحظتها في دوامة لا أستطيع فك طلاسم مبهمها- فلحظتئذ لم أكن حاضراً معها إلا بجسدي، أما حواسي فقد طارت سابحة في عوالم التفكير، تبتكر أساليب للانتقام ولو في الخيال؛ لأنه لا يوجد في عقلي، قانون يسمح بقتل الآخر ولو كان قاتلا، فما بالك أم أحد.. عندها عدت من وسن الخيال إلى صحوة الواقع القميء، وقد تيقنت أن كل شيء في العالم ضدنا، ونحن أيضاً حلفاء له علينا.

وأنا على ظهر براق التفكير، قفزت إلى ذهني صورتها وهي تشاكس غبشي، بابتسامة تستحيل جسراً على ضفاف الوقت، وعلامة تشوير نحو دقائق الفرح، وكيف يصبح القلب ساعة لها زمنها الخاص، ودقاتها الخاصة، التي لا تعترف بالزمن الدائري الدوار.

ابتسامة ترسم على جدران القلب، منحوتات شجن بدقة متناهية، وتحول الريح إلى عبق الروح.. تعلمني السير على تضاريس العشق دون أن أمشي، مقتبساً الانسياب من الماء؛ لأسيل على خلجان الحب من غير هدى.

تذكرتها يوم كنت أعيش بين عينيها الأنثوية الباهرة، كل الجنون الحلو والهبل المشتهى، على قارعة الحياة، دون أن نحياها، وكيف كبرنا معاً في دير الشوق، وهيكل الصبابة دون أن نشيخ.. فمرة نكون شياطين جن، تتطاير في غيم بخور الحب، وأخرى ملائكة خاشعة، ترتل آيات النجوى، وأحاديث العشاق المفعمة بملائكية العفة.

هكذا أعرفها، تعانق النوء بفرح، وتحلب من أضرعها حليب الحبور، ولكنها سقطت في سجور الألم كفراشة واهنة، واحترقت أجنحتها الهشة، وتناثر لونها القزحي رماداً في عيون الحياة حتى سد منابع النور في وجهها..

لا، لا أعرفها في هذا الوهن، والهم والغم، بل أعرفها مزجاً من اللوتس وشقائق النعمان، ونبتة خضراء خرجت من مفاصل الرماد، شقية مليحة؛ تناغي الحياة بخطوط حبر كمقدسي منفي، تبوح بالروح أنفاسا وأشجانا، وتتماهى والليالي المقمرات، فتسقط الأبجدية مبتسمة، ابتسام الغيم لثرى الهناك مطراً يغازل وجهه بحنو لا متناهٍ.

بل أعرفها سنداً أقوى من مطرقة في زند حداد، هناك حيث استوطنت نوستالجيا الوجع، واستفحل وجع النوستالجيا؛ أحن من الحنين، وأحمق من السذاجة، وأعقل من المكر، تمسح بممحاة قلم رصاصها العذب كل خيباتي، وهي ثابتة كآلهة شامخة على هرم الجمال.

لكن هذه الحالة التي اغتالت فيها نزق الحياة، كانت تفند المثل الإغريقي الذي يقول إن "المرأة مثل العشب الناعم، تنحني للنسيم ولا تنكسر للعاصفة"، أو ربما خانني بصري الجاحظ، وتخلت عني بصيرتي، وكانت تلك الهشاشة رماداً سيقذف لها بالحياة كطائر الفينيق.

عدت إلى اشتعال الأسئلة الحارقة كالنابالم والفوسفور، والمستعصية الإجابة، إلا على هوات الكلام، فكل من لم يحضر المعركة بطل، وكل من لا يؤلمه الجرح يجهل حره.. حاولت أن أتكلم، لكن الكلام تحشرج في حلقي، كميت رفع عنه الغطاء، واستودع روحه لقابض الأرواح.

- يا أنا كيف أقفز إلى قلبك، فقط لأطل عليك قليلاً، وأقول لك: يااااه لو تدري كم أحبك!

- لا تحتاجين أن تقفزي؛ لأنك في عمق قلبي، ولا أن تطلي عليَّ، بل أن تتطلعي إلى وجهي من علياء قاع القلب الذي تتبتلين فيه، واصرخي ملء حنجرتك الشهية، وبوحي بحجم حبك الذي أعرف قدر تماهيه مع الكون".

كان هذا آخر كلام لا يشبه الكلام، فقد قال كل شيء بصوت طفولي عذب، قبل أن ينتهي اللقاء الذي اختزل مأساة حب لا يشبه الحب؛ لأنه حب لحياة كالحياة لا أكثر، حب في الفضاء بحثاً عن سر الطيران، أهو الريش أم الطائر؟

انتهى اللقاء، ودعتها ومضيت.. مضيت وأنا يجتاحني إحساس جامح للهروب من دمامة الحزن، ودناءة الوجع، ولكم وددت أن لا أخط هذه الحروف، وتظل مصلوبة على مشانق ذلك المساء العندمي.. وكيف لا وقد رأيت غيثة، وقد سرق الغيث من جراب حياتها، وهي تأخذ مكانها الوثير، على ذلك الكرسي الأصم بالمقهى الذي صار ملجأ جلساتنا، في مدن التيه والرياح.

ولم تنتهِ المأساة، ولا انتهيت أنا من لعن ذياك الناموس بنبل العشاق، وأنا أردد في نفسي، وحالي كحالي غاص بطعم الحنظل:
هل من شهم في القوم يتطوع ليخبر تلك المرأة؛ التي طالما تألمت من وجع غيرتها على زوجها، أن مولوتوف الحب الذي يشعل في هيكل قلبها نيران الغيرة تلك، هو نفسه المولوتوف المتقد في بطين قلب ابنتها، وبنفس درجة الحرارة أو أكثر.

يخبرها أن الزواج ليس ورقة مقطوعة من شجرة اللامبالاة، يغتصب فيها رجل حياة فتاة لا تكن له أي مشاعر، بزواج لا إنساني ولا أخلاقي، يحدثها أن ذلك والوأد صورة واحدة، بل هو الوأد عينه، ويشرح لها أن زمن تفكيرها -وإن كان بحسن نية- يشبه القتل غير العمد، لكن النية تلك لا ترد للمقتول حياته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.